جمانة طه: تأنيث المستقبل
2021.03.18
تأنيث المستقبل
في العام 1998، أطلق فرانسيس فوكوياما نظرية عنوانها "تأنيث المستقبل" يدعو فيها إلى إعادة ظهور سلطة المرأة. فتـأنيث الشؤون الدولية، بحسب رأيه، سيضيِّق الفرصة أمام الحروب، في حال وُضعت المرأة في المجتمعات الديمقراطية في موقع القرار السياسي. فالمرأة أكثر رأفة بالناس من الرجل، وأكثر حكمة منه عند اتخاذ القرارات. ولا أدري إن كان العالم الياباني فوكوياما قد قرأ التاريخ العربي وتلمّسَ فيه أخبار بعض النساء العربيات والدور الذي لعبنه في تكوين الشخصية العربية، قبل أن يخرج إلى العالم بنظريته. وتساؤلي هذا لا يأتي من كوني امرأة، وإنما يأتي من موضوعية يفرضها تاريخ المرأة العربية، قبل الإسلام وبعده. فهناك نساء يصعب حصرهن بعدد، استطعن أن يواجهن التحديات المحيطة بهن بشجاعة وحكمة ولباقة قلّ نظيرها عند الرجال. فمن لا يذكر الأنماريتين "الجدة: فاطمة بنت الخرشب، والحفيدة: الجمانة بنت قيس" اللتين استطاعتا أن تبعدا عن قومهما حربًا تحصد المال والأبدان. وذلك حين وقع خلاف بين ابن فاطمة "الربيع بن زياد" وصهره زوج ابنته "قيس بن زهير" على درع تعود ملكيتها لقيس، وأحبّ الربيع أن يحتفظ بها. لكنَّ قيسًا رفض أن يعطيه إياها، فاستحكمت بينهما حلقات الضغينة وقام كلٌّ منهما يستصرخ قومه للحرب والمنازلة. وكادت الحرب أن تقع عندما حاول قيس أن يتخذ فاطمة رهينة بدرعه، التي اغتصبها منه ابنها الربيع. لم تخف فاطمة ولم تهن، بل واجهت موقف الأسر بحكمة ورباطة جأش. وقالت له قولًا هزّ ضميره وأخجله، وذهب مثلًا بين العرب: "أيّ قيس! ضلَّ حلمُكَ. أترجو أن تصطلح أنت وبنو زياد، وقد أخذتَ أمهم فذهبتَ بها يمينًا وشمالًا، وقال الناس في ذلك ما شاءوا؟ حسبك من شرٍ سماعه!"
أمّا الجمانة، فلجأت إلى المنطق والمحاورة مع جدها الربيع، قائلة له:
"إذا كان قيس أبي، فأنت يا ربيع جدي. وما يجب له من حق الأبوة عليّ، إلا كالذي يجب عليك من حق البنوة لي. والرأي الصحيح تبعثه العناية، وتجلى عن محضه النصيحة. إنّك ظلمت قيسًا بأخذ درعه، والمعارض منتصر والبادي أظلم. وليس قيس مما يُخوّف بالوعيد ولا يردعه التهديد. فلا تركُنَنَّ إلى منابذته، فالحزم في متاركته. والحرب متلفة للعباد، وذهّابة بالطارف والتلاد. والسلم أرخى للبال، وأبقى لأنفس الرجال. وبحقٍ أقول، لقد صدعتُ بحكم، وما يدفع قولي إلّا غير ذي فهم". ثم أنشأت تقول:
أبي لا يرى أن يترك الدهر درعه وجدّي يرى أن يأخذ الدرع من أبي
فرأي أبـي رأي البخيـل بمالـه وشيمة جدي شيمة الخائف الأبــي
حينما سمع الجد ما ارتأته حفيدته، نزل عند رأيها وردّ الدرع إلى أبيها قيس، وبهذا حُقنت دماء العرب.
وكما أرى فإن نظرية فوكوياما كانت منصفة، فالنساء أقل عنفًا من الرجال وأكثر ميلًا منهم إلى تأسيس مجتمع آمن ومسالم. ولا بأس من الإشارة إلى أن هذه النظرية دعت عددًا من وزيرات الخارجية في بعض الدول إلى مخاطبة الأمين العام للأمم المتحدة لكي يوافق على أن تحظى المرأة بمعاملة خاصة في مناطق الحروب، وأن تتم دعوتها للمشاركة في مفاوضات السلام عند إنهاء الحروب .
وقلن في خطابهن إن التطور البشري باتجاه توفير الأمن، يمكن تحقيقه فقط من خلال المجتمعات التي تحمي الحقوق الإنسانية للمرأة.
ولا شك في أن الطريق ليست ممهدة للنساء تمامًا، ولا تخلو من صعوبات وعقبات. لكن تذليلها ليس أمرًا مستحيلًا إذا أفسحنا في المجال للمرأة لتتعلم وتثقف نفسها، وهي الجناح الثاني الذي ينهض به الوطن، أيّ وطن. وكما أنَّ المكان الذي لا يؤنث لا يعوَّل عليه، على حد قول ابن عربي، كذلك المجتمع الذي لا يشرك المرأة في عملية التنمية والإدارة والقيادة، لا يمكن أن يعوَّل عليه.
جمانة طه