ذيل الحصان و نظرية "المعزاية" النقدية..
مفيد عيسى أحمد- فينكس:
يقال أن أبا صبحي التيناوي، الفنان الشعبي الشهير، و الذي كان يرسم شخصيات السير و الملاحم، رسم مرة عنترة على حصانه (الأبجر)، لكن اللوحة لم تتسع لكل الحصان، فرسم نصفه فقط، و لما أراد أحدهم أن يشتري اللوحة، احتج قائلاً:
- - اللوحة ناقصة ..
- - و ما الناقص فيها؟ سأله أبو صبحي.
- - الحصان ليس كاملاً.
نظر أبو صبحي إلى اللوحة برهة، و ما لبث أن قال:
- - بسيطة.. بسيطة سنكملها، عد بعد يومين.
بعد يومين عاد الرجل، فناوله أبو صبحي اللوحة الأساسية و لوحة أخرى قائلاً:
- - هذه تكملة الحصان..
هناك رواية أخرى تقول أن اللوحة لم تتسع لذيل الحصان، فما كان من أبي صبحى إلا أن رسم خطاً من موضع الذيل إلى أعلى اللوحة و رسمه هناك، و كتب بجانبه "هذا ذيل الحصان"، و عندما قال أحدهم لأبي صبحي أنه شوّه اللوحة ردّ محتداً: الزبون طلب مني أن أرسم عنترة و حصانه كاملاً و دفع ثمن ذلك، و لا يجوز أن أعطيه اللوحة و الحصان ينقصه ذيل.
كان أبو صبحي فناناً شعبياً، بالفطرة، لكنه كان يعرف مايريد، و كان له أسلوب خاص في الرسم، حيث لم تكن اللوحة ترسم بمنظور معين، فكان يرسم عين الحصان الثانية التي لا تبان وفق المنظور، و هو ما دعا اثنين من السائحين لتشبيهه ببيكاسو، لكنه رفض ذلك منزعجاً، متسائلاً: من هذا البيكاسو!!؟
حقق التيناوي شهرة تخطت العربية، و كتب عنه الكثير، رغم أنه لم يكن يعبأ بكل هذا، كان يرسم و حسب، كأنه بعيش مع شخصياته.
تجربة التيناوي تحيلنا إلى مسألة النظريات النقدية و العمل الإبداعي، و تفرض علينا السؤال التالي: هل الدراسة الأكاديمية ضرورية في الفن.؟ خاصة و أنّ هناك تجارب أخرى لمبدعين معروفين لم ينالوا أي دراسة في مجال إبداعهم، كالنحات سعيد مخلوف مثلاً.
التساؤل الآخر الذي يخص النظريات النقدية، هو: هل النظرية النقدية سابقة للعمل الفني و مؤسسة له، أم أن العمل الفني سابق لها؟
لا شك أن الإجابة تختلف، فالدادائية التي أصبحت السوريالية فيما بعد، بنيت على أعمال فنية بدأها الشاعر الالماني "هوغو بال" بقصيدة صوتية غير مفهومة الكلمات، أعقبة "ترستان تسارا"، و من أشهر الفنانين الذين انساقوا مع الدادائية "مارسيل دوشام" الذي وضع توقيعه على مبولة، و عرضها كعمل فني في معرض بعنوان " الينبوع".
هذا التيار الفني فرضته مآسي الحرب العالمية الأولى و الثانية و عبثيتهما اللتان جعلتا كل شيء عبثياً، أي أن هناك معطيات سياسية و ثقافية، اجتماعية و اقتصادية فرضت ذلك، و بالتالي كان الابداع سابقاً للنظرية، عكس ما يحدث عندنا غالباً، حين نستورد النظرية كما نستورد أي شيئ آخر، و نمضي سنوات في قراءتها و قراءتها و إعادة قراءتها..... و الكتابة على منوالها قسراً، في حين يكون الغرب قد غادرها من زمن بعيد.
أغرب و أظرف نظرية نقدية سمعتها، هي نظرية "المعزاية" و قد نطق بها أحد المهندسين ممن كانوا يحضرون معرضاً فنياً دعانا إليه النحات و الفنان "أحمد الابراهيم"، تأمل المهندس إحدى اللوحات و قال:
- - ما هذا؟
- - امرأة
كانت المنحوتة لامرأة مطموسة المعالم، نظر إليها المهندس ثانية و سأل:
- - أين عيناها؟
قال الفنان:
- - هذه ليست امرأة محددة، هي امرأة كناية عن المرأة بشكل عام، امرأة قد تكون كل النساء و في هذه الحالة، لا ضرورة لتحديد المعالم.
انتقل المهندس إلى منحوتة توالف بين الكمان و التكوين الأنثوي و قال:
- - و هذه...؟
- - أيضاً امرأة؟
- - أين رأسها و قدماها؟
- - هذه تكوين نابع من العلاقة بين الموسيقا و الأنثى.
أجاب الفنان بجهد و هو يبتسم.
ما لبث المهندس أن انبرى قائلاً:
- - أخي لا تزعل مني هذا ليس فناً، يجب أن تكون المرأة التي ترسمها كأنها في الواقع، يعني تحكي معها و كأنها سترد عليك، ترسم الشجر.. شجرة... و النهر نهراً... يا أخي و ترسم "المعزاية.... معزاية" أما "إنك تعمل أشكال ما حدا بيعرف شو هيي".. فهذا ليس فناً..
ابتسم النحات بود و قال:
- - نعم.. نعم حق معك.
كان يعرف أنه يتكلّم وفق ذائقته الفنية الفقيرة، و أن الفن التشكيلي عموماً كالموسيقى الراقية لا بد من مران و رغية تصل حد الشغف كي نتذوقه.