أن تكون تقدمياً.. و "تبظ" عشرات الدواوين و مئات المخطوطات ...
محمد حسين -خاص فينكس
في ثمانينيات القرن الماضي كنا نعتقد أن الانفطار العاطفي، أو العوز العاطفي، أو مايشبه ذلك، كان السبب الأول في تزايد عدد الكتبة الذين يطمحون بأن يصبحوا شعراء في نهاية المطاف. وفي التسعينيات تقدم على كل ما سبق العوز المادي باعتباره أهم الدوافع في كتابة الشعر، فلم يعد هناك وادي عبقر، ولا فرسان لديهم شجاعة المبدع وقريحته لارتياد مخاطره وأهواله.
وفي مطلع الألفية الجديدة لم تتغير الدوافع بل تزايدت أعداد الكتبة وخاصة من شريحة الشباب الباحث عن فرصة عمل ولو على متن قصيدة نثرية عصماء، إلى ان انتهى العقد الأول من هذا القرن بظهور وسائل التواصل الاجتماعي وهنا كانت الطامة الكبرى حين اكتشفنا أن كتابة الشعر لا تقتصر على من سبق من هؤلاء، بل تجاوزت الحدّ المعقول، فقد بات الجميع يقرضون الشعر بلا حسيب أو رقيب، والكاتب هو الناشر، وهو المدقق، وهو ،طبعاً، القارئ الوحيد خارج نطاق عائلته الصغيرة.
وهذا ما يدفع للاعتقاد أن عدد من يقرضون الشعر الآن في سوريا، يتجاوز نصف الشعب السوري الجائع، المعتّر، بعد أن كان عددهم قبل المقتلة السوريه لا يتجاوز نصف المليون بكثير.
وأمام هذا الفيض الابداعي الذي ساهم فيه اتحاد الكتاب ووزارة الثقافة، بأن تفتّقت عبقريتهما عن إقامة أصبوحات شعرية وربما ظهريات أيضاً، بعد أن ضاقت الأمسيات بالأعداد المتزايدة من الشعراء، ولكنهما إلى الآن للأسف، لم يستطيعا استثمار هذا الكم في المحافل الدولية، فربما كانت جائزة نوبل للآداب من نصيبنا ولكن هذه المرة ليست لشخص محدد بعينه، بل لجموع الشعراء في هذا الوطن الجريح.
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فلن أنسى ذلك الشاب القارض للشعر بشراهة والذي كانت المعضلة الأساسية بالنسبة إليه: كيف يصبح تقدميّاً كما طلبت منه صديقته؟
والمضحك المبكي أن أحد أصدقائنا الخبثاء وعده بشرح هذه المعضلة وتفكيك عقدها بشرط أن يعتلي الطاولة الخشبية لإلقاء معلقاته، وبالفعل، قام الشاب بما طلبه منه وأكمل مهمته على أكمل وجه، ثم نزل عن صهوة الطاولة الحرون رغم ضحكاتنا التي لم تتوقف لحظة واحدة حتى لالتقاط أنفاسنا، وصديقنا الخبيث لم يُكذّب خبراً، أمسكه من يديه مهدئاً من روعه طالباً منه المشي جيئة وذهاباً داخل الغرفة، وفعلاً قام بما طلبه منه بكل خيلاء الشاعر الألمعي وهنا صرخ خبيثنا قائلاً:
أصبحت الآن تقدميّاً، ثم صمت، وسط حيرة الشاب وذهوله، فما كان منه إلا أن تابع جملته، غامزاً بعينه، قائلاً:
أنت تقدمي بالفطرة يا صديقي، فهل شاهدت يوماً شخصاً ما يمشي إلى الوراء؟
هذا الشاب الشاعر التقدمي "بظّ" لنا عشرات الدواوين ولديه مئات المخطوطات حبيسة أدراج الانتظار من حسن حظنا.
*لن أشرح لكم معنى كلمة "بظّ" لأنكم تعرفونه ولكنكم لا تدركون أنكم تعرفون