كاتبة علاماتٍ فارقة في أدب الطفل السوري.. جمانة نعمان: الإعراض عن القراءة مرض الأهل قبل ابنائهم
رزان عمران- خاص فينكس:
قلما تنبّهنا كأطفال إلى أسماء من كتبوا لنا. كانت الحكاية والقصيدة والأغنية قِطَعاً جاهزة من الحلوى يعلق طعمها في الفم والذاكرة لوقتِ ما دون اهتمام واعٍ بهوية صناع البهجة هؤلاء، باستثناء أسماء تكررت في المنهاج الدراسي وألِفتها العيون، لذا، أن تجد سوريين كانوا في الثمانينيات والتسعينيات أطفالاً ويافعين يذكرون اسم أديبة مثل "جمانة نعمان"، فذلك دليل تأثيرٍ بقي في ذاكرة من يهتمون حقاً، شغفاً أو من باب النوستالجيا، بمن حرّك مشاعرهم بلغةِ عذبةِ أخذت شكل قصة كـ "صيد الذئب حياً"، او قصيدة حوارية مغناة كفيلم "عروس البحيرة".
"لم يكن أحد يعتقد أنني سأصبح شيئاً هاماً ذات يوم، ذلك أنني لست أكثر من راعٍ صغير في قرية نسيتها كتب الجغرافية. اسمي حميدان الصلوح. في الحارة الغربية من قريتنا ولدٌ في مثل عمري، يغسل وجهه، يسرّح شعره، يلبس صدرية نظيفة، يحمل كتبا ويذهب إلى المدرسة، ولذلك ينادونه (حمدان). أما أنا، فلأنني لا أذهب إلى المدرسة ينادونني (حميدان). ليس مهماً، فأنا لست متألماً كثيرا لذلك". بهذه المقدمة الطريفة، مهّدت الكاتبة لقصةِ مشوِّقةِ حول ولد يتحول من راع بسيط في عيون أهل قريته إلى بطل يوقع العدو في الفخ بمهارة. نُشرت القصة في دوريات للأطفال أيامها، واختيرت كخاتمة لكتاب القصة في الصف الخامس أواخر السبعينات، مرفقة برسومات الفنان الراحل ممتاز البحرة، وذلك بعد سنوات قليلة من "صدفة" اختيار جمانة ككاتبة دائمة في مجلة الطليعي، أبرز المجلات الموجهة للطفل آنذاك، والتي ضمت في كادرها العديد من الأسماء الأدبية والفنية المعروفة، أمثال الفنان التشكيلي الراحل محمد الوهيبي، والأدباء خيري الذهبي، وليلى صايا سالم وقمر كيلاني، وغيرهم.
تتحدث جمانة عن ذلك الاختيار الذي مهَّد لتغيير مسارها من التعليم إلى الكتابة الأدبية للمجلات ودور النشر، والتلفزيون في "عزّه"، عندما كانت الأولوية لدعم الإنتاج الجيد بعيداً عن أي تحزّب أو محسوبياتٍ ما.
تقول لـ "فينكس": "درست في دار المعلمات، ثم في قسم الفلسفة بجامعة دمشق، ونلت دبلوم الفلسفة من الجامعة اليسوعية بلبنان، وحين بدأت التدريس خيّل إلي أنها مهنة لن أتركها طالما أنني متميزة فيها، لكن شغف الكتابة للطفل لازمني دوماّ، فتم اختياري ضمن كادر مجلة الطليعي، وأمينة تحريرها لاحقاً، وحين دخلت مجال التلفزيون من باب برامج الأطفال، رأيتها فرصة لاكتساب خبرة جديدة سمعية بصرية وتتطلب وقتا وجهدا يصعب معهما الاستمرار في التدريس، فضحيتُ به مقابل عمل واعد".
تمتلك الأديبة السورية لغة جميلة وخيالاً خصباً ومخزوناً ثرياً بالمفردات راكمته القراءة النوعية منذ الصغر، وأسهمت دراستها الأكاديمية في توسيع الأفق وتنظيم الأفكار. لاقت قصصها القصيرة نجاحاً في وقت قياسي وتصدرت في عدد من المسابقات والاختيارات الأدبية المحلية والعربية، وكان أبرزها "صيد الذئب حيَّاً" و"الصبَّارة" الصادرة عن دار النورس اللبنانية. لكن العمل في التلفزيون فرض تحدياً مختلفاً، تقول: "لم أكن قد خضت تجربة تحويل الكتابة إلى لغة بصرية من قبل. إلا أن اللغة والخيال يمنحان القدرة على خلق لوحات جمالية متحركة ملونة قابلة للتجسيد أمام الكاميرا، تحت إدارة مخرج مخلص لعمله، وصولا إلى عقل الطفل وقلبه. أن تبقى محتفظا بروح الطفل بداخلك أمر مهم للغاية. بذلك كتبت أهم أعمالي للتلفزيون، فيلم"عروس البحيرة" الذي فاز بجائزتي أفضل سيناريو وإخراج في مهرجان الوليد بن طلال للطفولة والامومة بالقاهرة".
يحكي الفيلم الغنائي الذي أنتجه التلفزيون السوري أوائل التسعينيات عن طفلة توَّاقة للَّعب وسط انشغال الكبار عنها. يصور لها خيالها ساحرة في مثل عمرها تبحث عن أصدقاء، فتقرر أن تلعب الغميضة، لتكتشف الطفلة صعوبة اللعب مع شخص يتقن التخفي العجيب، فتخاطب الساحرة بتذمر في حوار طفولي لحّنه المؤلف الموسيقي حسين نارك: "أنت ساحرة.. تلعبين كساحرة.. تختفين كساحرة.. تظهرين كساحرة.. بعيدة حيناً.. قريبة حيناً.. والآن قد تعبت"، فتجيبها الساحرة: "كوني مثلي ساحرة.. أنت تملكين ما هو أقوى من السحر.. تملكين الشِعر.. الشعر حبل من نجوم وأغان للفرح.. الشعر يا حلوة.. قوس قزح.. وغيوم ومطر.. وطيور وزهور.. ودروب للقمر".
ومن بين مسلسلات عدة مثل "قمر لسماء البرتقال"، و"سيف من نجوم"، و"تنورة للعصفورة"، و"تلك التي" و"بنات وحكايات"، تعتز جمانة بتجربة أخرى، كتابة مسلسل" توت سياج" الذي تم تصويره في عدة قرى سورية على مدى حلقات تمثيلية وغنائية من ألحان الدكتور غزوان زركلي. تقول: "أردت الإضاءة على الريف السوري بتراثه وطبيعته وحرفه التقليدية. إنه يشبه توت السياج اللذيذ، لا تراه إلا بعد أن تزيح عنه الشوك".
تذكر ايضا اولى تجاربها في الكتابة للسينما خلال التسعينيات متمثلة بفيلم "أرسم حلمي" للمخرج باسل الخطيب، ويحكي عن طفل منهمك بالبحث عن حلمه من خلال الرسم والتشكيل اليدوي دون جدوى، ونصائح الرجل الحكيم تتردد بداخله: "إحلم.. أنت عظيم بمقدار ما تحلم"، ولا يشعر الطفل بأهمية ما يفعل حتى يعود أحد البحارة المفقودين على متن قارب يحاكي سفينة صغيرة صنعها الطفل من قبل. تقول جمانة: "حوّل المخرج موقع التصوير إلى مدينة تشبه أوغاريت مسرح الأحداث، واهتم بتفاصيل الطقوس الأوغاريتية، لاسيما أجواء انتظار الأهالي لعودة البحارة. اختير الفيلم للمشاركة في مهرجان سينمائي بميونخ ولاقى صدى طيباً كقصة إنسانية من حضارة شرقية".
طرقت جمانة نعمان باب الكتابة التاريخية ايضا بمسلسل "نسَّاجة ماري" الذي عُرض عام 2019، وتدور أحداثه بين يمحاد، الاسم القديم لحلب، ومملكة ماري. ناراما فتاة تهرب من بلادها إثر تجربة مؤلمة، لتصبح صانعة للجمال بحياكتها الأثواب الملكية في ماري. ترتكب ابنتها جريمة قتل، وتوجه أصابع الاتهام ظلما إلى الأم، وإذ يحتار القضاة في أمرها، يحتكمون إلى النهر، كطريقة في ذلك الوقت لحل القضايا المستعصية، فيلقونها في الفرات منتظرين من النهر ألا يغرقها في حال براءتها، لكنها تغرق بسبب إثقالها بالأصفاد، وتفتدي بذلك ابنتها.
لا نظرية واحدة للكتابة، تؤكد الكاتبة، فلكلِّ أدواته وأسلوبه، لكن السر يكمن في امتلاك الأدوات على نحو ينتج نصاً جميلاً عميقاً غير مستهلك، وغير قابل للنسيان بسهولة، وقدرة على ضبط الإيقاع بحيث لا تفلت الأحداث من يد الكاتب فيلجأ إلى حشوٍ سرديٍّ مملٍّ. تضيف: "أصبحت أجد الفكرة تختارني بدلاً من أن أسعى وراءها. وتحديد الغاية يسهّل توجيه العمل.. أن تكون كتابتك موجهة للآخر وأن تقصد التأثير فيه ونشر أفكارك من خلاله، لا إرضاء نفسك أو تحقيق الشهرة فحسب".
تقيم الكاتبة السورية في طرطوس حالياً، وفي ذهنها مشاريع جديدة. مازالت تجربتها في الإشراف على تدريب أطفال موهوبين على كتابة الشعر من خلال ديوان "أبني عالمي شعراً" تحفزها على إنجاز المزيد في هذا المجال. عن تلك التجربة تقول: "كان هذا الديوان من أهم المطبوعات التي أثمرتها تظاهرة دمشق عاصمة للثقافة العربية، جمعنا وقتها أطفالا موهوبين من مختلف المدارس الحكومية والخاصة في ورشة عمل، أنتجوا خلالها خواطر شعرية مدهشة، كان ذلك عام ٢٠٠٨، وقد أصبحوا اليوم شباناً وشابات موزعين في كل أنحاء العالم".
ترى جمانة ان تراجع القراءة بين الأطفال حالياً مرض حقيقي يقع الطفل ضحيته بعد الأهل أنفسهم، فهم المسؤولون جنباً إلى جنب مع المدرسة عن تعويده ليس على مجرد القراءة، بل اختيار نوعية ما يقرأ. تذكر في هذا السياق تنقّلها في أمكنة احتلت فيها القراءة موضعاً خاصاً. تقول: "تأسستُ سمعياً قبل أن أتعلم القراءة. كنت أسمع جدي يقرأ فتنفذ كلماته عميقاً بداخلي وتتراكم. اكتشفت في مراحل تعليمية لاحقة مدى التأثير الذي أحدثته فيّ، وكيف أن أي زخمٍ من الكلمات والأفكار لا يمكن أن يمر مروراً عابراً. كانت القراءة جزءاً من التربية البيتية، بها استثمرت الوقت، وكان لها الفضل الأول في طمأنتي وتجاوز تحديات مررت بها. القراءة وحدها قد تخلق ذائقة جيدة، قد تعلمك (كيف) تكتب، لكنها لا تكفي كي تكون كاتباً.