كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

“النبيذ” أو دم المسيح الذي صُنع في العصر الحجري

في الليلةِ التي سبقت اعتقاله وصلبه، جمع المسيح تلاميذه الاثني عشر في مدينة القدس؛ لتناول وجبة عشاء عُرفت بـ”العشاء الأخير”، وخلاله قدَّم المسيح خلاصة رسالته إلى تلاميذه، وأكل معهم الخبز، كرمز لجسده الذي سيعذب، وشرب النبيذ؛ ما يمثل دمه الذي سيسفك. منذ تلك الليلة اكتسب النبيذ رمزيته القدسية الخاصة ضمن المعتقدات المسيحية.

ومع ذلك، فلم تكن تلك اللحظة التاريخية المهمة هي الوحيدة في التاريخ الطويل للنبيذ؛ فقد عرفه الإنسان قبل العشاء الأخير بنحو 5000 عام، وحمل في بعض الثقافات، كالإغريقية، مكانة دينية. والنبيذ هو مشروب كحولي يُصنع عبر تخمير العنب، علماً بأنه يمكن استخدام نوع آخر من الفاكهة لإنتاج النبيذ، إلا أن النوع الأكثر شيوعاً منه، هو ذلك المصنوع من العنب.

أقدم دليل

من الصعب اعتماد موعد محدد بدأ خلاله الإنسان في تصنيع النبيذ؛ لكن من الممكن تتبع خريطة وجوده منذ العصر الحجري، في مواقع أثرية مختلفة في العالم؛ أولها موقع “جياهو” في الصين، حيث عُثر على بقايا فخار عمرها نحو 7000- 6600 عام، وتدل على أن إنسان العصر الحجري صنع النبيذ.

فقد تبيَّن أن بقايا الفخار تلك تحمل الكربون المشع لمشروب مُخمَّر مصنوع من خليط الأرز والعسل والفاكهة، وجرى الاستدلال على وجود فاكهة في المشروب، عبر حمض الترتريك (artaric acid) في قاع إحدى الجرار المكتشفة -وحمض الترتريك هو حمض عضوي يوجد في العديد من النباتات، خصوصاً في العنب- بينما حصر العلماء حينها نوع الفاكهة المستخدمة بعدة احتمالات؛ من بينها العنب أو الزعرور، اللذان عُثر على بذورهما في المنطقة.أما الدليل الأقل قدماً لكنه الأكثر حسماً على بداية صناعة النبيذ، فوجده فريق دولي عام 2017، في جنوب تبليسي عاصمة جورجيا؛ حيث اكتشف العلماء موقعَين: قرية تسمى Gadachrili Gora، ويبلغ عمرها 8000 عام، وموقع آخر أُطلق عليه Shulaveri Gora، صنع سكانهما النبيذ قبل 6000 عام، حسب ما جاء في ورقةٍ بحثية نُشرت في مجلة “PNAS”.

وتوصل الفريق إلى النتائج بعد إجراء تحليل العينات، من قِبل عالم الآثار في جامعة بنسلفانيا، باتريك ماكجفرن؛ فقد تبين أن أجزاء الفخار المتناثرة في الموقعَين تحتوي على حمض الترتريك. كما وجد الفريق في سفوح تلال قرية Gadachrili Gora، حبوب لقاح العنب؛ ما يشير إلى أن السكان زرعوا عنبهم في السفوح، وليس في السهول

أماكن أخرى من العالم

صنع الإنسان النبيذ في أماكن أخرى من العالم؛ منها قرية أريني الأرمينية، في موقعٍ يضم معصرة نبيذ تعود إلى 5500 عام، وفيها أواني التخمير والتخزين وأكواب الشرب وكروم العنب الذابلة والجلود والبذور. وفي فترة مقاربة (نحو 5400- 5000 قبل الميلاد)، في إيران في موقع أثري يدعى “حاجي فيروز“، عُثر على أوانٍ بسعة 9 لترات، تحتوي على رواسب لبلورات التانين وحمض الطرطريك، الذي يشير إلى وجود العنب.

وفي شمال فلسطين اكتشف علماء آثار قبواً عمره 3700 عام، خُزِّن فيه أكثر من 500 جالون من النبيذ، ما يعادل 3000 زجاجة، ومن المتوقع أن يكون الفينيقيون الذين سكنوا في أجزاء من بلاد الشام، قد تاجروا بالنبيذ وصدروه إلى مصر القديمة؛ حيث عُثر في مقبرة “ملك العقرب”، على 700 جرة نبيذ يُعتقد أنها صنعت في بلاد الشام وشُحنت إلى مصر.

وعن طريق الفينيقيين وصل النبيذ إلى اليونان، وهناك أصبح رمزاً للتجارة والصحة والدين؛ فقد خصص الإغريق لـ (النبيذ) إلهاً يُدعى ديونيسوس، ومع زيادة قوة المدن الإغريقية وتوسع رقعتها، انتشر النبيذ في الأماكن التي احتلتها الجيوش الإغريقية حول البحر الأبيض المتوسط.

النبيذ إلى العالم الجديد

مع اكتساح الرومان أجزاء واسعة من العالم القديم، انتشرت زراعة الكروم في معظم منطقة البحر الأبيض المتوسط ​​وأوروبا الغربية، وأصبح النبيذ سلعة اقتصادية وثقافية من العيار الثقيل، وازدادت أهميته عندما تبنت الإمبراطورية الرومانية المسيحية؛ إذ ارتبط النبيذ بالقربان والقداس، لذلك حرصت الكنيسة على زراعة العنب، والرهبان على إتقان صناعة النبيذ.

تابع النبيذ طريقه إلى العالمية، فلم يكتفِ ببلوغ العالم القديم؛ بل وصل عن طريق الغزاة الأوروبيين، خلال الفترة ما بين 1492 و1600، إلى أمريكا الجنوبية والشمالية وكندا؛ حيث أنشأ الإسبان في تشيلي أول مصنع نبيذ، بينما وصل إلى اليابان عبر المبشرين (اليسوعيين).

ومن الناحيةِ التقنية، فقد طرأ على النبيذ عدة تغييرات أسهمت في رفع جودته ومدى صلاحيته؛ ففي منتصف القرن العشرين بدأ تخميره بالسكيراء الجعوية (ما يُعرف بخميرة البيرة)، مما أكسبه جودة أعلى وضمان عدم تعرضه إلى التلف، كما استُبدل بالسدادات الزجاجية القديمة أخرى  مصنوعة من الفلِّين؛ ما سمح بابتكار أسلوب جديد في عملية حفظ النبيذ، خلال القرن الواحد والعشرين؛ وهي عملية تعرف بـ”mox”، التي تسمح بدخول الأكسجين عبر مسامات سدادات الفلِّين؛ ما يوفر قواماً أكثر نعومة للنبيذ، ونكهة فريدة.

كيو بوست

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية