موسى بيدج في مجموعته الأخيرة... (رجل لا يصلح للحب)
( أنا رجل لا يصلح للحب / فقد غرق زورقي / و مات حصاني / و تشابك الشوك علی حیطاني / لیس في لیلي قمر / لیس في خبزي ملح / لیس في جیوبي سوی عناوين تائهة - ص 5 )
هكذا هو الشاعر يسعى لفتح العالم دون حصانٍ، و دون زورق، يريد إشباع الجائعين بخبز بلا ملح، و إرشاد الضائعين بعناوين تائهة، فما هو الشعر إن لم يساعد على الأحلام كما قال الشاعر التشيلي بابلو نيرودا. يخاطب الشاعر أصدقاءه قائلاً: ( يا أصدقائي ! احذروا أن تدوسوا على أحلامي الوردية / المكدسة على الطريق / فأنا نائم تحت ظلالها – ص 14 ).
الشاعر و المترجم الإيراني موسى بيدج في مجموعته الشعرية الأخيرة " رجل لا يصلح للحب " و التي صدرت في مصر عن دار أروقة للدراسات الترجمة و النشر عام 2020، يكتب الشعر بلا تكلف، شعره عفوي بسيط سلس، لا يتقصَّد الغموضَ و الإبهام، يتناول مفردات الحياة اليومية، يتلقَّفها، و يأخذها من ألسنة الناس ليصوغ منها جملةً شعريةً جميلةً، ليكوِّنَ منها صوراً مدهشةً ببساطتها و فرادتها، يقول: ( ماذا أفعل / کي تعرفي / أنا الذي أرسلتُ قوس القزح / لیصبح سبعة أثوابٍ لك – ص 21 ) .
من يقرأ المجموعة سيكتشف فيها الشاعر المغامر و المندفع حدَّ التهور، الراغب في اقتحام العالم و تغييره، بأدوات بسيطة حدَّ السذاجة، هكذا هم الشعراء يلعبون مع الأبدية، يشاغبون، يطرحون أسئلتهم، و يبعثرون إجاباتهم في الفضاء الواسع ليأخذها الآخرون، يسيرون على منوال مالئ الدنيا و شاغل الناس المتنبي القائل:
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا وَ يَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ
فهم "بناة العالم " يحاربون القبح و الجهل و الفقر بكلماتهم التي يشحنونها بالمعنى إلى الحدِّ الأقصى كما وصفهم الشاعر الأمريكي عزرا باوند، يقول موسى بيدج في قصيدة " رجل لا يصلح للحب " التي حملت المجموعة عنوانها:
( أنا رجلٌ لا یملك سوی کلماتٍ من خشب الأشجار / يصنع منها / قصائدَ و کراسيَ للمعوقین / و خزاناتِ ثیابٍ للعراة / و دراجاتٍ للفقراء / و عصيَّ للعمیان / و دوالیبَ لعربات الأشیاء المستعملة / يصنع منها / طیوراً خشبیةً تطقطق أجنحتها و لا تطیر / و إطاراتٍ مزرکشةً لصور المقتولین / في الحروب والأسواق والطرق السريعة- ص 7 ) .
الشاعر يخوض غمار معاركه وحيداً، بلا منقذٍ، و بلا معين، و لكنه يرضى بوحدته و عزلته، و يصنع منها تفرُّدَه و تميُّزَه عن الآخرين، ينطبق عليك قول الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي: (أنت في وحدتك بلدٌ مزدحمٌ )، فالعالم ينام في رؤاه و أحلامه و خيالاته، يقول الشاعر في قصيدة " سيّدي الحوت ": ( وقفت علی الشاطئ / سفینة نوح لم تقبلني / فقد کنت وحیداً / کصالح في ثمود – ص66 )
الملاحظ في هذه المجموعة الصغيرة بعدد صفحاتها / 77/ صفحة توزعت على / 30 / نصاً شعرياً، أن هناك بعض المفردات تكررت، و كان تكرارها ملفتاً للنظر، منها مثلاً مفردات: " شارع، زقاق، سوق، طريق، رصيف" تكررت في المجموعة / 22 / مرةً، مفردات : " ثياب و مشتقاتها معطف، فستان، قميص " تكررت / 16 / مرة منها : ثیاب للعراة ص 7 / ثیاب الأزقة ص 9 / ثیابنا من الطراز القديم ص 10/ أنا الذي أرسلت قوس القزح / لیصبح سبعة أثواب لك - ص21/ تعالي بثیابك الكرديَة - ص 33/ بقمیص من قماش اللقاء – ص 38 / هنئیها علی فستانها الصیفي المطیر – ص 40 / ثیاب الربیع ص 44 / ... الخ ".
و أرى أن تكرار مثل هذه المفردات له دلالته في نفس الشاعر، فمفردات الشارع و الطريق تدل على الرغبة اللاشعورية للشاعر في الخروج من وحدته، و الاندماج مع الآخرين في المجتمع، لأن الوحدة متعبة و غير مريحة، و لها ضريبتها التي يدفعها المرء من روحه، " العزلة وطنٌ للأرواح المتعبة " كما قال الروائي الأمريكي إرنست همنغواي، و أفضل تعبير عن هذا الشعور المتناقض قول الشاعر الفرنسي شارل بودلير: " لدي الإحساس بالعزلة كمصير أبدي، و مع ذلك هناك رغبة شديدة في الحياة و في المتعة ".
و لكن الشاعر حين يعود إلى وعيه الشعوري – العقلي و العاطفي يلوذ بالوحدة و بعزلته في ما سمي تهكماً " برجه العاجي " ، فالعزلة أو الوحدة هي الطريق إلى التأمل و التفكير و التفكُّر في الكون و الذات ، في الحياة و الموت ، في معنى الوجود البشري ، و بالتالي هي حافز نحو الإبداع ، " إن العزلة ضرورية لاتساع الذات وامتلائها " كما يرى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه .
أما مفردة الثياب فهي دليل على الستر و الغطاء، لكن الشاعر يخرجها من وظيفتها المعتادة هذه ليتعامل معها كرموز، فهي حواجز بيننا و بين الطبيعة، و هي تقييد لنا، و الشاعر بطبيعته المتمردة على التقاليد و الثوابت المعتادة، يريد تمزيق هذه الأثواب ليظهر بشكل جديد، هي إذن عائق أمام التجدد و التغيير المطلوب و المستهدف، لذلك لا بد من تغييرها و تبديلها للوصل إلى عالمه الخاص و إلى حريته، يقول في قصيدة " هذا عالمي ": ( في بريدي / كل الطوابع كنارات / و كل الرسائل شجر / و على حدودي / يسألونكم فقط / عن حجم الموسیقى / التي تحملون في حقائبكم – ص 13 ).
و يقول في قصيدة " تحت صفصافة بعيدة ":
( الحاء جریحة / الراء أصابها الرعب / الیاء لا تعرف الطريق / ولكنّ الهاء آلهة تغمرني بالدفء / عندما تكتمل الكلمات - ص 54 )، لكنَّ الشاعر رغم هذه الدلالة التي ذكرناها، و في لحظة ولهٍ شعريٍّ دافقٍ يقول: " ثیاب الأزقة – ص 9 " و كأنه ينسف كل ما قلناه عن الرغبة في التحرر و التجدد و التغيير، فهو يريد إلباس الأزقة ثياباً، و كأنه يريد تحديدَ المطلق، و لكن... أنَّى له ذلك، هيهاتِ .. هيهات، فهذه الرغبة عارضٌ مؤقتٌ هو نفسه سينسفه في لحظة قادمة، يقول : ( أنا آتٍ لا محالة / و سأشعل لكم شموعاً / من أصابعي / و وروداً من عیوني – ص 55 ) و يتابع: (فأنا میلاد العالم المتدثر بالفراشات / الأخضر دوماً – 57).
الملاحظة الأخرى التي وجدتها في المجموعة أن الشاعر قدم لنا نصوصاً شعرية خالية من أيِّ رموزٍ من ثقافته و لغته الأم الفارسية – الإيرانية، و هذا أمر ملفت للنظر، لمن يعرف الأستاذ موسى بيدج، أما القارئ العادي للمجموعة فربما يظنه شاعراً عربياً بامتياز، و هذه الملاحظة ليست موضع تقييم إيجابي أو سلبي، و لكنني رأيت من واجبي ذكرها.
ختاماً نقول لقد استطاع الشاعر موسى بيدج أن يقدم لنا نصاً شعرياً جميلاً، يغني المكتبة العربية، و يضيف جديداً إلى تجربته الشعرية العربية – الفارسية، و هو القائل في حوار أجراه معه الصحفي حسن الوزاني و نشرته مجلة " نزوى " العمانية الفصلية في عددها رقم / 105 / يناير / كانون الثاني 2021:
( أنا أبحث عن كل ما يُضفي جمالاً على حياتي و على حياة الآخرين. كلنا نعرف أنه لولا الإبداع و الفن لكانت الحياة لا تُطاق بثقلها؛ أنا أبحث في الأدب عمّا يُمَكِّنُ الروح من الاغتسال في مياه آباره الشفيفة، و قد يكون ذلك عبر كلمة حلوة، أو عبارة مضيئة، أو نصيحة جماليّة. أبحث عن موقد لنتدفأ به في شتاءاتنا الباردة، و عن مواطن الجمال و منابت غنى الروح في عصر الأسلاك الشائكة).