كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الجرح الخفي...

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

لم يكن ذلك التشابه أو التناص في العنوان فقط، ذلك الذي أرجع لذاكرتي، لحظتها وبالتحديد، تلك القصة التي قرأتها وأنا طفلة في سني المرحلة الابتدائية، والتي لازمَ عنوانُها رأسي ومخيلتي وذاكرتي حدَّ التماهي مع العنوان "الجرح الخفي"، لدرجة أدركت وقتها أنني مجرد قرأتها على صدر صفحات مجلة "العربي" الكويتية الشهيرة آنذاك، وهي لا تزال تلازم روحي كذلك "الجرح الخفي" تماماً...

أذكر أنها كانت قصة مترجمة، عن التراث المجري، وتدور أحداثها حول مريض كان يعاني آلاماً شديدة مريرة مبرحة، موضعها مكان ما في يده، وهي عبارة عن بقعة داكنة، أخذ يترجى الطبيب لكي يستأصلها له، وما أن استأصلها حتى تبدأ آلامه بالتلاشي، ويأخذ بالتصبب عرقاً، وتبدأ علامات الارتياح عليه بعد عناء شديد، ليأخذ بشكر الطبيب، الذي ينهي الأمر بضماد أخير، وما أن تمضي مدة وجيزة، لا تتعدى الشهر، حتى يعاود المريض عيادة الطبيب نفسه ليترجاه استئصال البقعة نفسها التي تكون قد عادت للتشكل، ولتسبب له آلاماً مبرحة أكثر، إلى أن تكرر الأمر أكثر من مرة، ليأتي المريض أخيراً، وليجلس على مقعد الاعتراف أمام الطبيب، منهياً الفصل الخفي من قصة ألمه هذه، وبقعته الداكنة تلك، والتي تختزل وتختزن كل آلام روحه وجسده أيضاً، وليختمها بقوله بأنه مهما تكرر استئصال موضع الألم فهذا لم يعد ليجيده نفعاً بل ليقص عليه قصته، فيزيح كابوساً ثقيلاً جثم على نفسه، هو السبب في هذه "البقعة الداكنة" التي سببت له ذلك الجرح الخفي الذي لن يندمل أبداً...

خلاصتها أنه وخطيبته تحابا بشغف كبير، وتزوجا بعد قصة حب طويلة جميلة، والتي تتوجت بالزواج، ولكن بعد مضي فترة على الزواج لاحظ أن زوجه تخبئ شيئاً ما عنه في درج من الأدراج الذي تحتفظ بمفتاحه دائماً معها، وبعد محاولات كثيرة لتجاهل الأمر والاعتياد عليه أو نسيانه، لم يستطع كبح جماح فضوله فخاتل زوجه الشابة الحبيبة وحصل خفية عنها على المفتاح ليجد في الدرج مجموعة كبيرة من "الخطابات" الغرامية ملفوفة بشريط حريري لافت الجمال والعناية، وقرأها والفضول يقتله، ليفهم منها أنها رسائل غرامية، وبعد الصدمة، أعاد كل شيء على طبيعته، ثم تحين الفرصة فقتل زوجه الجميلة خنقاً دون أن يصارحها أو يكاشفها بما عرف عنها من "خيانة" أو ماضٍ لم تفاتحه به من قبل، فانزلقت من فمها البريء نقطة دم على ساعده، ومع مرور الأيام صارت نقطة الدم من تكوين جلده وباتت تسبب له تلك الآلام، الغريب أنه وبعد مرور أشهر على الجريمة أتت صديقة لها لتزورها لتكتشف رحيلها، ففاتحت الزوج الجاني بأمر وديعة "أمانة" كانت تستودعها زوجَهُ الجميلةَ الراحلة، وهي تلك الخطابات في ذلك الدرج، وعندها صعق الزوج لهول تسرعه وجريمته ومصابه ومصيبته في تسرعه بقتل روحها البريئة، وباتت تظهر معه تلك الآلام الشديدة في موضع نقطة الدم تلك....

الغريب، وفي عودة لبدء مادة المقال هذه، ومنذ أن عثرت من أيام على عنوان مفاده "خياط الأرواح"، لأحد القصاصين والروائيين العراقيين الشباب "أنمار رحمة الله"، حتى قفز إلى ذهني عابراً كل تلك السنين عنوان قصة "الجرح الخفي" هذه للكاتب المجري "كارولي كسفا لودي"، وفي خياطة الأرواح شأن آخر، حيث يذهب أحد المثقلين روحياً بعناء الدنيا وتفاصيلها إلى عيادة "محل" خياط "طبيب" يخيط الأرواح ويرتق ما تهتك منها بعد أن يخلعها عند "الجسد" المادي، فيأخذ الثوب الممزق المهترئ فيخيطه ويرتقه ويرقعه بينما الجسد "الأثيري" يسبح في الفضاء مراقباً خفته وتخففه من أثقال الحياة وهموم الروح وكثافة الجسد المادية، وليخيره الطبيب "الخياط" بعد انتهائه من التفصيل والخياطة والترميم إن كان يريد العودة للبوسه المرمم الجديد أم يريد أن يبقى متخففاً منه تاركاً فضاء القصة مفتوحاً على خيال ودهشة كبيرين....

ما أحوجنا نحن البشر، والسوريين تحديداً إلى العود للروح والجوهر الإنساني، ما أحوجنا لخياطي أرواح، وأطباء يستأصلون ما طرأ على الجسد السوري والعربي والبشري بعامة من لطخ وبقع داكنة لا يفيد معها الاستئصال المادي بقدر ما يفيد معها التواصل الروحي والتخفف من الإثم وضرورة المكاشفات التي تطبب النفوس لتعود للروح السورية العظيمة قوتها وماهيتها، ويعود الجسد السوري مرصعاً ولكن بدماء الشهداء الطاهرة فقط وفقط... فلننزع عنا هذه الأغلال الأثيمة المادية الزائلة خالعين قشور العصبيات والفتن الأفكار الظلامية القاتلة فيبرأ جرح سوريا الخفي، ويبرز وجهها وجه الشمس من بعد أيام غائمات...

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية