كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

يوميات الأصدقاء في زمن الحرب... أيمن الحسن يوثِّق ضيوف السماء

في كتابه الصادر حديثاً عن اتحاد الكتاب العرب و عنوانه " دُفلى الشام – ضيوف على السماء " سلسلة القصة 2020، يتابع الأديب أيمن الحسن تجربته الأدبية المتميزة، و في هذه المجموعة يمزج بشكل متقن بين تقنية القص و أسلوب كتابة اليوميات عن أصدقائه الذين عايشوا أجواء الحرب بكل بشاعتها و ظلمها، و عدوانية و ظلامية و تخلف الإرهابيين الذي عكَّروا صفو الحياة و حوَّلوها إلى جحيم، يقول في " ما يشبه التقديم – ص 7 ": لقد أيقنتُ أن الحرب لعبة قذرة، تحاصرنا جميعاً، لا يفلت منا أحد، أو يربح فيها أحد، لذا سأخلع على ناصية الفرح ملامحي الحزينة، فيرسم قلبي حدود الوطن الجميل بما يليق بأبنائه الرائعين، يقاسمونني الحب حتى ننتصر ببعضنا، فلا غالب و لا مغلوب " و يقتبس هذا القول للكاتب الفرنسي ألبير كامو : " لسنا ننشد عالماً لا يُقتل فيه أحد، بل عالماً لا يمكن فيه تبرير القتل – ص 10 ".

 لكن هذه النظرة في قبول الآخر و التآخي معه للوصول إلى إمكانية العيش المشترك، لا مكانَ لها عند أولئك القتلة، ( هذا مخططهم الإجرامي الحاقد إذ بعد دقائق قليلة من أول تفجير، و بعد أن يجتمع المواطنون لإسعاف الذين سقطوا في الانفجار الأول يقومون بالتفجير الثاني ليرتفع عدد الضحايا أضعافاً مضاعفة، و كأن مهمتهم المزيد من القتلى الأبرياء – ص 58 من قصة " الطيران " )، إنهم يعملون على القتل و التدمير و التخريب فهم أعداء الحياة، على عكس المواطنين الشرفاء الذين يدافعون عن وطنهم و أرضهم و حياتهم الآمنة ، يقول محمد الحسن لزوجته فاتن في قصة " و لم يصرخ " بعد أن التحق بالجيش و ترك حياته المدنية و بناته الثلاث: " إننا نقاتل كي يعيش أبناؤنا في سلام يزرعون الأرض محبة و وئاماً – ص 33 ".

في هذه المجموعة يؤكد أيمن الحسن موقفه الوطني الواضح بلا مواربة، و هذا ما يظهر جلياً في جميع كتاباته " مسك غزالة و قمر " " ذات شفق – مدونة عشق " " في حضرة باب الجابية "، ... الخ.

 و يرى أن هذه الحرب عملت على فرز الناس و إظهار حقيقتهم و مدى ارتباطهم بوطنهم، حتى لو كانوا قبل الحرب مختلفين بمواقفهم السياسية و آرائهم تجاه المجتمع، و ظنوا بالتالي أنْ لا مجالَ للانسجام و التوافق بينهم، يقول في قصة " وجه من وطني " عن صديقه محمود ذو الغنى :

" بدأت أتناقش مع الزميل محمود و هو يعرف أننا على طرفي نقيض: مسلم متدين و يساري علماني – ص 100 "، محمود من مريدي الشيخ الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي، و قد استُشهد معه في التفجير الإرهابي الذي وقع في مسجد الإيمان بدمشق في 21/3/2013 حين كان الشيخ يقدم درساً لتلامذته و مريديه. يتابع أيمن الحسن في القصة نفسها قائلاً : " سابقاً حين التقينا كنا لا نجلس طويلاً، إذ يسود بيننا حوار متقطع، كل واحد يتمترس خلف قناعاته، أما الآن في وسط الظروف التي حفرت على وجه الوطن ندوباً عميقة، و جراحات مؤلمة، عدنا نلتقي من جديد – ص 102 ".

أصدقاء أيمن الحسن، أبطال هذه المجموعة القصصية، هم من كل الشرائح الاجتماعية – أغنياء و فقراء -  و الدينية – مسلمون بمذاهبهم و مسيحيون - و العرقية و المناطقية  و معهم لاجئون فلسطينيون، يجمعهم جميعاً الحس الوطني و الخوف على الوطن و الدفاع عنه، يتساءل الكاتب : " ما دورُ كلٍّ منا فيما يحدث لوطننا ؟ - ص 102 " ليجيب عن تساؤله هذا في قصة " ظافراً يعود من جديد " على لسان بطل القصة الفدائي الفلسطيني خالد أكر الذي طار بطائرته الشراعية و لقَّن الجنود الإسرائيليين درساً لن ينسوه : " أقف صامداً لأن المقاومة هي الطريق الوحيد للتحرير – ص 139 " و هذا هو الخيار الوحيد و الأخير لأيمن الحسن في إبداعه، و لأصدقائه أيضاً الذين استشهدوا فكتب عنهم، و خصَّص لهم هذه المجموعة القصصية.أيمن

 و قد فعل خيراً، كم نحن بحاجة إلى مثل هذا التوثيق الأدبي – الواقعي بأسلوب رشيق و جذاب، يجمع بين الحقيقة الواقعية و الجماليات الأدبية، فقد استطاع الكاتب أن يُدخلنا في تفاصيل حياة و يوميات هؤلاء الأصدقاء، تعرَّفنا إلى أفكارهم و هواجسهم و تفاصيل حاراتهم و منازلهم حيث يسكنون، و عملهم حيث يعملون، و لحظات استشهادهم، دون أن يتخلَّى عن خصوصية الأدب القصصي في تقديم نصٍّ جميلٍ مشوِّقٍ و جذابٍ للقارئ، و قد استعمل اللغة البسيطة العادية التي تدرُجُ على ألسنة الناس بكلِّ عفويةٍ و سلاسة، ورد مثلاً في قصة " قمر يضيء في ليل طويل " الحوار التالي :

  • - مالك دبقتِ فيي، يا أم أحمد أنا ورايي مناوبة !

لذلك أوصته:

  • - دير بالك على حالك و طمِّني إذا صار شي
  • - حاضر يا ميمتي، رِضاكِ
  • - الله يرضى عليك و يحميك يا أحمد – ص 15 "

لكن الكاتب يلجأ أحياناً إلى اللغة الشعرية العالية في بعض النصوص و بشكل قليل جداً، ربما تعبيراً عن عواطفه تجاه أصدقائه، حيث يشعر أنه بحاجة إلى لغةٍ مجازيةٍ عاليةٍ تَفِيهم حقَّهم، يقول مثلاً في قصة " و لم يصرخ " : " أسدل عباءة التيه على أيامه، و مضى وسط ليل بهيم، و هو يناديه: أيها الليل ..  ألجِم عويلَ ضباعك الكاسرة عن طريقي، فحيح الصمت النازف تربَّص به منذ ولادته، فحاول العزف على قيثارة الصبر آناءَ السهاد الطويل – ص 29 "، و أرى أن هذه اللغة الشعرية العالية أضرَّت بالنص أكثر مما أفادته، و حمَّلته أكثر مما يحتمل، و ابتعدت به عن لغة و أسلوب السرد القصصي المباشر و البسيط، و البعيد عن أساليب البلاغة الخاصة بالشعر .

الملاحظة التي تتكرر دائماً في كتابات الأستاذ أيمن الحسن هي الاقتباسات و ما يسمى " العتبات النصية " التي يُصدِّر بها قصصه، فهو دائماً يكثر منها، و هذا ما رأيناه في روايته " في حضرة باب الجابية " و " مسك غزالة و قمر " و " ذات شفق – مدونة عشق " و في كتابه الأخير هذا  " دفلى الشام – ضيوف السماء ".

قدم لنا الأديب أيمن الحسن في " دفلى الشام – ضيوف السماء " نصوصاً قصصيةً طازجةً من صميم معاناتنا في هذه الحرب، طافحةً بالود و المحبة و الحس الوطني، و بالأمل بغد أفضل، ضمن نسيج لغوي جميل و أسلوب رشيق، و حبذا لو سار على منواله أدباء آخرون نتعرف من خلال كتاباتهم التي يوثِّقون فيها حجمَ الخراب المادي و الجسدي و الروحي الذي نشرته هذه الحرب في مجتمعنا.

 و قد طالت كل ما هو جميل على شجرة الوطن القوية و الراسخة ، " و لكن الشجرة أبت أن ترحل من مكانها، فهبت الريح قوية عاصفة، و تكسرت بعض غصون شجرة الزيتون، حتى بدت عجوزاً هرمة، و لكنها قالت لمن حولها: " ما زالت جذوري في الأرض "، و بالفعل عادت كما كانت خضراء في فصل الربيع – ص 148 "

     

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية