كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

وما زال "الافرنج يجوسون المدينة"!!

أحمد حسن- خاص فينكس:

في 15 تموز 1099 وصف شاهد عيان، لمؤرّخ قروسطي، ما يحصل بالقدس قائلاً: "لا زال الافرنج يجوسون المدينة شاهري السيوف، لا يشفقون على أحد، حتى على الذين يتوسّلون الرحمة"؟!

عام 2021 وبعد نحو ألف عام تقريباً يستطيع أي شاهد عيان معاصر أن يتحدث بنفس الكلام عن أي مدينة عربية معاصرة مستبدلاً "السيوف" بأي أداة من أدوات الحرب الحديثة، سواء العسكرية أم الاقتصادية أم الإعلامية.

وكأن ألف عام لم تمر على هذه الأمة التي بقيت معلقة "هناك"، فكرياً وحضارياً، وبالتالي سياسة وثقافة واجتماع واقتصاد، وفيما العالم "هنا والآن" يبدو أننا نتراجع حتى في أسئلتنا الوجودية ففيما كان سؤالنا الأهم منذ أكثر من قرن: "لماذا تأخرنا وتقدم الآخرون؟!".. بما يشي، على الأقل، بمحاولة الخروج من هذه الشرنقة، يبدو أن سؤالنا الأهم اليوم: كيف نبقى على قيد الحياة البيولوجية؟! لا أكثر ولا أقل.

بيد أن التدقيق في الأمر يحيلنا إلى حقيقة أنَّ فشَلَنا في الإجابة على سؤال "عصر النهضة" الشهير أوصلنا إلى سؤال اليوم، وهو فشل يحتاج إلى مجلدات عديدة لشرح أسبابه، لكن ونظراً لضيق المجال سنحاول عبر عرض صور منتقاة عشوائياً وتخلط ما بين السياسي والثقافي.. هل يمكن فصلهما؟! تقديم مقاربة سريعة ومبتسرة عنه.

الصورة الأولى من "الصين" التي تستعد لحرب مقبلة مع واشنطن! بالتوازي مع إعلان رئيسها انتصار بلاده نهائيا على الفقر المدقع بعد أن "استثمرت في مكافحة الفقر على مدار السنوات الثماني الماضية ما يعادل نحو 246 مليار دولار" كما قال الرئيس.

الصورة الثانية من عواصم العرب الذين استثمروا أكثر بكثير مما استثمرت الصين ولكن في سبيل بقاء السلالات والأفكار الحاكمة في الآن ذاته.

ولخصوصيتها، سنفرد فيما يلي "زوايا" مختلفة في الزمان والمكان لهذه الصورة العربية "المجيدة".

الزاوية الأولى، وهي مرتبطة بإعلان الرئيس الصيني السالف الذكر، ففي نهاية ثمانينات القرن الماضي جمع الرئيس المصري الأسبق "حسني مبارك" مجموعة من خيرة العقول المصرية في مجالات شتى، وطلب منهم تصوراتهم لعالم الغد ومستقبل مصر فيه، وبعد أن عرض كل منهم رأيه، وقف أحد المفكرين الاستراتيجيين وتحدث عن الصين باعتبارها مستقبل العالم محدداً بالأرقام تطورات مسيرتها السريعة مطالباً بالإسراع بالتشبيك معها في هذه المرحلة للاستفادة منها لاحقاً، وفجأة قاطعه مبارك ساخراً: "صين ايه يا بو صين انت" موحياً للحضور أن الرجل المسكين "بيخرّف".

الزاوية الثانية، قبل "ايفيه" مبارك المضحك المبكي بعقود عدة كان العراق مكبلاً ببنود معاهدة مجحفة بطبيعة الحال مع بريطانيا، وأمام الهجوم الشديد الذي تعرضت له من الوطنيين العراقيين وبالتوازي مع المتغيرات العالمية التي أفرزتها الحرب العالمية الثانية وما تعرضت له بريطانيا من تآكل في المكانة، قررت لندن في عام 1955 أي قبل انتهاء مدة المعاهدة المذكورة بعامين اجراء تعديلات عليها بالتوافق مع القادة العراقيين تنضم فيها رسمياً لـ"حلف بغداد" الشهير والذي كانت في الواقع القوة الدافعة إليه.

أما الفرق بين المعاهدتين فيشرحها لنا كاتب غربي كما يلي:

"في احتفال مهيب خاص في العراق، جلت طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني عن قاعدة الحبانية بموجب تعديلات المعاهدة العراقية الإنجليزية، واقلعت الطائرات المقاتلة باتجاه قبرص ثم حولت اتجاهها بالجو وعادت ثانية إلى مطار الحبانية، بموجب اتفاق حلف بغداد"!.

الزاوية الثالثة، في عام 1992 صرح الملك السعودي فهد بن عبد العزيز:" إن نظام الديمقراطيات السائد في العالم، نظام لا يصلح لنا في هذه المنطقة"! في عرف ذاك الملك السعيد، أن جيناتنا كعرب لا تحمل بذرة الديمقراطية! وبالتأكيد لم يجف حبر تصريحه، حتى سال حبر غزير من "فقهاء السلطان"، وعبيد البترودولار لتبرير هذا القول وخلق الأسانيد والأدلة التي تؤيده.

بالعودة إلى سؤالينا الأول والثاني يمكن القول باختصار، بسيط ومخلّ في الآن ذاته وتلك معضلة المقالات المحدودة الحجم، إننا انقسمنا، منذ اصطدامنا بالغرب، إلى فريقين، الأول يقول: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، وما دامت الوصفة التي قامت عليها الحضارة العربية الإسلامية في عصورها الزاهية صالحة –برأيهم- لكل زمان ومكان، وما دام المكان لم يتغير والزمان متوقف، عندهم، عند نقطة تقع في القرن السابع الميلادي، إذاً فلما لا نعود إلى "جنتنا" الماضية؟!

يحيلنا الطرح الثاني إلى الآخر -الغربي تحديداً- كحلّ سحري لمشاكلنا باعتبار أن نجاح هذا الآخر في صنع حضارته يستدعي بالضرورة نجاحنا نحن بصنع حضارتنا المأمولة بمجرد استلهامنا لتجربته بقضها وقضيضها أيضاً.

الاثنان يرفعان معاً، وكلّ بطريقته، من أولوية النقل، سواء من الماضي أم من الآخر، على العقل، وتلك، فيما أرى، علّة انتكاستنا تاريخياً، والنقطة التي أصبحت عندها الثقافة، بمعناها الواسع، لا تعني أبداً "وعياً معرفيّاً ناضجاً بالواقع وآليات إنتاجه" بل على العكس من ذلك تماماً، لتكون النتيجة، كما نعيشها جميعاً، وعي عربي هو بالمجمل، مع عدم التعميم، "مفوت مفارق للواقع"، سواء كان ذلك باتجاه الماضي أم المستقبل، وبلغة عبد الله العروي:" استعراباً أو استغراباً".

وبالطبع لن تقود هذه المقدمات -وذلك درس تاريخي عالمي- إلّا إلى النتيجة المحتومة: تقديم النقل على العقل أوصلنا إلى الاستبداد، فهما طرفي معادلة طردية بمعنى أن وجود أحدهما مرتبط عضوياً بالثاني.

أما نتائج الاستبداد فيلخصها لنا جدّنا "عبد الرحمن الكواكبي" قائلاً: إن هذا الأخير إذا أراد أن ينتسب كما ينتسب الرجال لقال: أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة، وعمي الضر وخالي الذل، وابني الفقر وابنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب.

ومن يكون وطنه الخراب فإنه -وفق نظرية الأواني المستطرقة وحقيقة أن الطبيعة لا تعرف الفراغ- لن يعدم غازياً يجوس شوارع مدينته شاهراً سيفه لا يشفق حتى على من يتوسلون الرحمة!.

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية