كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

نحن محكومون بالحلم... بالإذن من سعدالله ونوس

باسم سليمان - خاص فينكس.

حلم الفيلسوف الصيني جوانغ زي بأنّه فراشة، وعندما استيقظ لم يعد يدري؛ هل هو صاحب الحلم أم أنّ فراشة حلمت بأنّها جوانغ زي! وبناء على حلم زي سنطرح ما هو مفهوم الحلم، هل هو نشاط لا شعوري يصيب النائم أم أنّ ربط الحلم بالنوم؛ هو خيط أريادن الذي أعطته لــ تيسيوس كي يقتل وحش المينوتور/ الواقع الفاسد والانتقال إلى واقع أكثر إشراقًا وإنسانية؟

يظهر النوم كقطيعة مع اليقظة، كما يبدو النهار منقطعًا عن الليل، لكن لماذا تتعلّق الأحلام بعالم اليقظة/ النهار، سواء أ كانت منعكسًا شرطيّا بيولوجيًّا عن حاجاتنا وغرائزنا التي ندركها في حالة يقظتنا أم رؤى، قد تغيّر بشكل جذري واقعنا المعاش؛ هكذا مهّد الحلم لدخول إنكيدو إلى حياة جلجامش وخلقها في حلّة جديدة مناقضة لِما كانت عليه سيرة جلجامش قبل قدوم إنكيدو، كذلك بدّل حلم النبي إبراهيم حياته وحياة البشرية، وعليه يجب أن نسأل: هل الحلم واقع مستقبلي مشتهى؟

الكبت أسّ الإبداع:

استطاع سيغموند فرويد أن يضيء عبر مفهوم الكبت جانبًا من دور الحلم الواعي إن صحّ لنا القول، وذلك عبر مفهوم التصعيد للمكبوتات أيًّا كانت؛ غرائزية أم فكرية. يذكر روبرت لويس ستيفنسون أنّ أهم فصول روايته "دكتور جيكل ومستر هايد" قد جاءته في الحلم! كان القرن التاسع عشر وفق جينفر هيكت القرن الذي أصبح فيه الشّك في اليقنيات الإنسانية دينًا؛ ولا ريب أن ستيفنسون لم يكن ليستطيع أن يقارب ازدواجية الشخصية الإنسانية بحرية مطلقة مع وجود كلّ المحظورات التي تضع قسمًا من البشر في محلّة الخير والقسم الآخر في محلّة الشّرّ، ففي روايته يصدم المثالية التي يحياها الكائن البشري، بأنّ الشّرّ قضية خارجية يتأثّر بها، في حين أنّ الشّرّ هو جين مثله مثل الخير في بنية الإنسان. وعلى نفس المنوال كانت رواية فرانكشتاين لــ ماري شيلي نتيجة ليلة طويلة من القلق قضتها بين يقظة حائرة، وسِنَة نوم قلقة. 

قد نستطيع القول: إنّ الحلم يقظة المستقبل في الحاضر، ولأنّ اللغة وعاء الفكر البشري تأتي دلالة كلمة الــــ(الحلم) كشاهد عدل لذلك، فالفتى الذي يُدفع له ماله ما أن يحتلم هو تأويل لما سيصير إليه نهارًا/ مستقبلًا بعد ليلة الاحتلام من مسؤولية الناضج، كذلك مفهوم الحليم الذي يتوجّه إلى ضبط التداعيات المستقبلية لفعل ما في لحظة الحاضر الآنية.

بين رؤية ورؤيا:

ارتبط الحلم بالفعل (رأى)؛ وهذا الفعل له خصوصية مميّزة، فهو تارة عياني، حسّيّ، مرتبط بالضوء ارتباط الإلكترونات بذراتها، وتارة أخرى قلبي، ذهني، لا زماني على الرغم من مستقبليته؛ لذلك تتفرّع دلالته شعبتين بين رؤية ورؤيا، حيث تأخذ التاء المربوطة في آخر كلمة (رؤية) محدودية البصر وتفتح الألف الممدودة في كلمة (رؤيا) الأفق للمستقبل، فنحن ككائنات عاقلة ومفكّرة نستخدم كلمة (الحلم) استخدامات كثيرة، لا تتعلّق بالنوم، بل بحالة الوعي واليقظة المناقضة للنوم وما يشي به من انقطاع وقطيعة مع حالة الوعي والتفكير، وذلك لأنّنا نعلم بشكل لاشعوري وشعوري أيضًا، أنّ كلمة الحلم كلمة برزخية بين واقعين وإن تمايزا زمنيًّا ووجوديًّا، فالقدماء الذين وجدوا في الحلم صلة وصل بين عالمهم العياني وعالم الغيب أو بين الفيزيق والميتافيزيق، لا نختلف نحن عنهم في استخدام كلمة (الحلم) وعندما أراد مارتن لوثر كينغ التعبير عن تطلعه الثوري لتغيير واقع العنصرية قال: " لديّ حلم".

يبدو الأمل وهو الشقيق النهاري للحلم، أقرب للفقه الميكافيلي من الثوري؛ فالأمل ينطلق من اللحظة الآنية إلى المستقبل، في حين الحلم ينطلق من المستقبل إلى الحاضر، لذلك يأتي ليلًا أو في حالة النوم المناقضة لشروط الوعي الحاضر الذي يراد تغييره مخاتلًا الكبت الشعوري، ليفضح ارتهان الإنسان لمحددات وجودية معينة تقصي إنسانيته؛ ومن هنا تبدو الثورة عنفًا وعنفة وحلمًا تدفع بشكل حتمي لهدم الواقع ومن ثم إعادة تأسيسه على رؤيا جديدة تتحوّل فيما بعد إلى رؤية عيانية.

الحلم نشاط جمالي:

إنّ الواقع الذي حوّل شهريار إلى وحش تم استبداله عبر الحكاية الليلية من قبل شهرزاد. وإن كان لنا أن نفسّر صمت شهرزاد فجرًا بصياح الديك؛ فهو يتأتّى من التناقض بين الواقع الحلمي الليلي المتمثّل في الحكاية والواقع النهاري حيث يعود شهريار إلى عنفه المدوّي، لكن بعد ألف ليلة وليلة؛ أي ألف حلم وحلم يتحوّل عنف شهريار إلى عنفة شهرزاد التي تنتج طاقة الحياة، فمع الحلم الشهرزادي الثوري عبر الحكاية وما تتضمّنه من حالة جديدة كانت الأنثى مقصاة عنها، إذ أصبح لها حقّ الكلام والحكاية من حيث هي خطاب تغيير سلمي، لكنّه ثوري بقدرته على اجتراح واقع مغاير وأمثلته من أجل أن يجبّ الواقع الجديد الواقع الفاسد، فكانت النتيجة أن تبدّل شهريار كليّة.  

يقول ميلان كونديرا: "الحلم ليس فقط بلاغًا، بل هو أيضًا نشاط جمالي ولعبة للخيال. الحلم هو البرهان على أنّ التخيّل وتصوّر ماليس له وجود، هو إحدى الحاجات الاساسية للإنسان".

لا ريب أنّ صناعة المستقبل لا تعتمد على السبب والنتيجة فقط؛ بل تحتاج إلى أرض جديدة في بحر الواقع يبتدعها بركان الحلم. وعودة على بدء؛ لم يختر جوانغ زي الفراشة فقط لجمالياتها بل لهشاشتها التي تشبه الحلم، ومع ذلك لها القدرة أن تحلم بأنّها جوانغ زي الفيلسوف الذي ما زالت كلماته فاعلة بقوة كما أثر الفراشة. ألهذا قال القدماء، بأنّ الكون حلم الإله!؟

كابوس الكورونا:

اعتدنا أن تكون الكوابيس في أرض النوم، لكنّنا نهرب اليوم من كوابيس اليقظة إلى أرض النوم، لعلّنا نجد حلمًا ينتشلنا من واقعنا، الذي كاد يضيق حتّى أصبح سجنًا؛ اختياريّا أو مفروضًا، فلا فرق بينهما مع ازدياد مدّة الحبس، ولا يسعني إلا التفكير بالعقوبات المانعة من الحرية كم هي قاسية، لربما أشدّ من القتل!

ماذا نفعل نحن المسجنوين؟ هل نهرب عبر الأحلام إلى حرّية مشتهاة! أنظر إلى شاشات الأجهزة الإلكترونية من تلفاز وموبايل وكومبيوتر وأرى فيها نافذة بقضبان افتراضية. أغلق شاشات الواقع، وأفتح شاشة الحلم، وأفكّر هل يدفعنا كابوس فايروس الكورونا في اليقظة، لأن نحلم بإنسانية أوسع من الحرّية التي نعيشها في النوم. أن نعيد تقييم حقّنا في أن نكون الكائن الديكتاتور على هذه الأرض ونذهب باتجاه نظام ديمقراطي نتشاركه مع الكائنات الحيّة الأخرى من حيوان ونبات وجماد.

قيل قديمًا طول الأمل يورث الكسل، لذلك سأحلم بكامل يقظتي، لأنّ الأرض  استردت بعض عافيتها عندما حُجر على كائنها المميّز" الإنسان"، ولنا أن نتساءل من هو الفايروس: الكورونا أو نحن!؟ وختامًا من أجل من مستقبل أفضل، لابدّ أن يكون ماضينا أفضل.

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية