كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

عام مضى على رحيل الشاعر بندر عبد الحميد

شعره مرآته

رباب هلال- فينكس

        عطش في دمشق، عطش مرّ، لايشبه عطش بندر الواقعي والوجوديّ الأبديّ! في حنايا أروقة حياتنا اللّاحياة، حدث اخضرار مزدحم بالثمار الفردوسيّة، كان لنا بعض منها. عرفناه وصادقناه، وقرعنا معه كؤوس تمجيد الإنسان والحياة والفنّ!

يا لعدالة الحياة أنّنا عرفناه! ويا لعطش الروح أنّنا فقدناه!

إنّما، حين يكون الحديث عن بندر عبد الحميد، الإنسان، الشاعر، الناقد السينمائي، عاشق الفنّ والرقص والناس، الطبيعة، وعاشق الحبّ والفرح، علينا أن نبتسم! فهو العاشق الريفيّ، المولود في فيافي البداوة الملتصقة به أبداُ، الفنّان الطفل الذي لم يكبر، وينمو في الرقص والموسيقا والشعر، فيولد ثانية! سرعان ما نكتشف ذلك ما إن نعرف بندر، أو نقرأ أوّل دواوينه (1975) " كالغزالة، كصوت الريح والماء": / نبدأ رقصاً/ وكأنّنا جئنا الآن/ الموسيقى جرح عذب،/ دمُنا عشب/ لا شيء نريد غير الموسيقى/.../ دوري رقصاً وعذاباً/ الموسيقى تحت الجلد./ عشق بندر الرقص، ورقص عمره كلّه. كنّا نصفّق له ضاحكين، أسميناه زوربا البدويّ. رقص في وجه الحرب والموت السوريّ، وفي وجه القوانين كلّها، الاجتماعيّة والشعريّة! كان يخبط أرضنا اليباب بقدميه البدويّتين، وبذراعيه المدينيّتيْن الطليقتين يتحدّى الفضاء الهباء! لم يبق بندر بدويّاً ولم يصبح مدينيّاً، كان روحاً كونيّة.

للعيش، كان يروم الغابات العذراوات، وللشعر السباحة عميقاً في بحر الروح البيضاء تلتقط اللغة البريئة من الافتعال والتصنّع، والصور النافرة والزخرفات اللغويّة المنافقة، ليرصد بعين الكاميرا والقلب ويصوّر ما حوله بفنّيّة تخصّه وحده. بالموسيقا، رفع سحق اليوميّات الموجعة إلى قمّة الأنوار تشعّ في الروح. انحقنت شرايينه بالرقص وباللغة، فترعرعت أغصان شجرته الشعريّة بحريّة وعمق وبساطة مثله، ومثل بساطة طفولته هناك على ضفاف الخابور، في قريته البعيدة، "تل صفوك" قرب محافظة الحسكة، وعميقة عمق عشقه لدمشق، على ضفاف بردى، دمشق المقرّ والبوصلة والشغف، عشق تندّى، حتّى آخر أنفاسه الدنيويّة. ومكثت الطفولة تشغب في شرايينه مترجرجة نابضة بالمعنى والدهشة:/ إنّها طفولتنا التي انتهت ولم تنته/ لأنّنا نتذكّرها/ حينما تلمس يديّ يداك/ وأنا أبحث عن القلم./

تطول شجرته الشعريّة، في دواوينه تباعاً، بتكثيف عذب، بعفويّة وبساطة، مثقلة بالمعنى، تبرز على السطوح أو تتخفّى خلف الكلام، رموزاً ودلالات ثرّة. وقد تفرّعُ فقرات صغيرة قليلة تقريريّة تصلح لابتسامة نقيّة. كما في يوميّاته، لا يثرثر، مشغولاً بمواعيد عاجلة، على الدوام، مع الناس والأشجار والحيوانات! تشغله الكلمة، فتنمو فيه قصائده وينمو فيها. كتب في ديوانه " كانت طويلة في المساء" (1980): / تضيعين منّي/ أغنّي في كلّ الدروب/ أين أنتِ/ أيّتها الكلمة الحلوة/ الطريق بعيدة بين الجبال/ أبحث عنك/ وأغنّي بأصوات الطيور الجريحة./

في قصائده، ازدحام الـ (نا) الجماعة، والآخر: نحن، أنتم، أنتنّ، هم وهنّ، أنتَ، وأنتِ. هو حبّ بندر للناس وتعلّقه بهم، كتعلٌقه بالسينما، بالفنّ التشكيليّ، بالشعر، بالأشجار، والطفولة. أحبّ المتشرّدين، الطلاب، العمّال والفلّاحين، الكادحين الجوعى، في العالم كلّه، الأبيض والأسود. كان ينتظر الثورة والحريّة، كانتظاره للمطر! كتب في قصيدة "المستقبل" من ديوانه "احتفالات" (1979): / في حذاء فان غوغ/ وقبّعة شارلي شابلن/ صورة من الحياة في الماضي/ في الغرب حيث حمّى الذهب/ والجسور والعربات ومظلّات المسافرين/ ووجوه المتشرّدين الذين يتأمّلون الطبيعة/ وغبار المداخن العالية/ كان الماضي هادئاً ينتظر الحرب/ ولكنّ المتشرّدين وحدهم/ هم الذين ينتظرون المستقبل!/

للحريّة كتب كثيراً، يقول في قصيدة "الشمس في المدينة" من ديوان " إعلانات الموت والحرّيّة" (1978): /احتفلي/ تكفي أغنية لحياة/ يكفي سهم للموت الرائع/ في أرصفة العالم/ تطلع شمس من كفّ امرأة/ وتموت بسهم/ يطلع وجه امرأة ويموت بسهم/ موت قاس/ وحياة قاسية/ فاحتفلي بالموت/ الحريّة للبحر/ الحريّة للأشجار المكسورة/ الحريّة للأطفال الموتى/ - كأس الحريّة/ كأس المرأة الأرملة العاشقة المجنونة/ كأس عطيل/ كأس الكونشيرتو الرابع/.

وفي الطريق المديدة العصيّة، ظلّ بندر أخضر الابتسامة، هادئاً، حالماً، متأمّلاً، نظراته تدنو، تحدّق في الأقدام المتعبة، والأيادي المتشقّقة الهلعة، ثمّ تبتعد لتنظر في الآتي! ليس مفرحاً ما هو آتٍ! إنّه يعرف، لأنّه الشاهد الحكيم، لأنّه الرائي!

بقلبه الطفولي السعيد المشاكس، يجوب شوارع دمشق، مطاعمها وحاناتها والمقاهي، يلتقط قلوب أصدقائه، من شتّى أصقاع البلاد والعالم، من عرب وأجانب، يبتسم لهم بحبّ ويجذبهم إلى بيته الصغير، غرفة خاصّة بجميع الأصحاب، في إحدى أزقّة شارع العابد الدمشقيّ، البيت الذي شيّده على صورته، ببابه المفتوح دوماً، مثل الخواتيم المخاتلة لكثير من قصائده، التي غالباً ما يقفلها بأبواب مفتوحة، على دهشة وتأمّل، وحبّ كثير، على حلم عذب أو غصّة مريرة! كأن يختم قصيدة" البلطة" بـ: /في العالم المنتحر بالغازات السامّة/ممنوع نشر أيّ شيء / عن أيّ شيء/ في لحظة/ تهوي يدك على الورقة/ وتهوي بلطة على رأس مبدع/ في آخر العالم./

الطريق طويلة، يعرف: / أنتَ رماد/ وأنا رماد/ كلمات خضراء في أجسامنا الرماديّة/ كلمات نار/ ولن نصل بسهولة/ فالطريق طويلة/ من هوميروس إلى لينين/ الطريق طويلة/ ارفعي أصابعك عَلَماً في الطريق/ وانظري إلى الأفق؟ سنقاتل/ حتّى القبلة الأخيرة!/ وإذاً لا حبّ من دون حريّة، ولا حريّة من دون حبّ! لديه، تتشابك تفاصيل الأوجاع السوداء والأحلام والآمال وتتعالق، كما يتشابك الشعر ويتعالق بالمشاهد السينمائيّة وبالفنّ التشكيليّ في كثير من القصائد، فتبدو مشاهد ضاجّة بالحياة. في إحدى قصائد ديوانه المنثورة "مغامرات الأصابع والعيون" (1981) الرافل بالحكائيّة والقصّ، يقول: /جدّي الذي يضحك/ زارني في المدينة المتّسخة/ وحدّثني عن أحلامه في المستقبل/ لم يكن خائفاً ممّا يحدث/ ولكن له آراء خاصّة بالنساء/ اعترفت له بأخطائي/ واشتريت له ألعاباً وأدوية/ وكتاباً ملوّناً/ ثمّ أرسلته في سيّارة كبيرة/ إلى القرية/ لم أستطع أن أبكي/ لأنّ جدّي كان يبتسم/ عبر زجاج النافذة/ وهو يلوّح لي بيده/ التي تشبه المعول./

المرأة، حاضرة في شعره، كحضور الحبّ والأشجار والحرّيّة. مجنونة حالمة، عاشقة، فنّانة، حرّة، صديقة وحبيبة، وأيضاً مكبّلة مسحوقة. لم يكن بندر مصاباً بعلّة ازدواجيّة المثقف العربي الذكر تحديداً! فأراد المرأة حرّة مثلما هو حرّ. في قصيدة " زهرة الطين" من ديوان "الضحك والكارثة" (1994) يقول:/ أيّتها الآلهة القديمة/ آلهة الشمع والطين/ آلهة الخير والصيد والمطر/ دعي هذه الفتاة الطيّبة/ تنطق بما تريد/ تلوّث شفتيها بالقبلات المحرّمة/ وتكحّل أجفانها بأحلام الحياة الحلوة/ تشتاق وتشكو/ تقطف تفّاحة الحبّ المحرّم/ تكسر قضبان سجنها المعتم/ تمسح وجهها بجناح طائر غريب/ تنتشي بالرغوة المقدّسة/ تضحك، تذوب، تتألّم/ تشتهي وترفض/ تتفتّح زهرة في الطين./

لبندر بيانه الخاصّ يطلقه على الملأ:/ لست مرشّحاً لأيّة دورة انتخابيّة/ لست شريكاً لأيّ سمسار/ اطمئنّوا أيّها الرعاة/ لن أترك من يدي/ هذا المقلاع./ الكلمة، هي مقلاعه وحجارته، يرجم بها ما يشوّه الإنسانيّة والطبيعة، الخير والجمال، ويدمّرها. في قصيدة "صمتاً" يتحدّى ويهزأ:/ ما أجمل هذه الصخور المتكسّرة/ فوق المنحدرات الخضراء/ أسمع الأغاني القديمة/ للطبيعة المتجدّدة/ صمتاً/ لا تعترف بأخطائك/ لأنّك ستكذب مرّة أخرى/ أيّها الولد البائس الدبق/ الناشف/ المتذبذب/ .../ المتكبّر/ السارق/ الغبيّ/ الثريّ/ المنافق/ صمتاً/ ما أجمل هذه الصخور/ فوق المنحدرات/ عد إلى الوراء/ هذا طريقي/ وقد لا تستحقُّ صفعة/ على قفاك / الذي يشبه وجهك./

ولكن ما إن كبرت شجرته الشعريّة ونضجت ثمارها شهيّة، حتّى كتم صوته الشعريّ، بعد إصداره آخر دواوينه (2002)" حوار من طرف واحد"، ليكمل مسيرته في فضاءات السينما شغفه الأكبر. فلمَ توقّف بندر عن كتابة الشعر؟ هل لاكتشافه عبثيّة حواراته الشعريّة مع الآخر؟ ليجد نفسه وحيداً يناجي نفسه. وقد أدرك أنّ الطرف الآخر يمعن في تجبّره واستبداده، يصطنع الصمم، يرفض الحوار، وينكر على الغير الوجود؟! إنّها الكارثة! فليصمت الشعر، إذاً! قد يتضمّن السؤال جواباً ما، تبعاً لسوداويّة النصوص، والتساؤلات والاكتشافات المرّة، ما لم يحدث في أيّ من دواوينه السابقة! ففي قصيدة " التوازن مع الرعب" مثلاً، يسوؤه العمر الوهم الذي انقضى، يحمّل نفسه معنا مسؤوليّة التخاذل والعجز:/منذ سنوات طويلة/ ونحن نعيش حياة مستقرّة/ في هذه الحظيرة الواسعة/ نغنّي بصمت/ ونرقص في الظلام/ نأكل قشور البطاطا مع الوحل/ على إيقاع الأغاني الوطنيّة/ ولا نعرف ما يحدث حولنا/ في العالم المجنون/ ضاعت سنوات جميلة/ من أعمارنا/ ونحن ننتظر المطر/ لم نزرع شجرة/ لم نبن كوخاً/ كنّا مشغولين دائماً/ بالتوازن مع الرعب./ إنّما هذه القتامة، لم تؤثّر على تفاؤل بندر، المتفائل، المحبّ، فيختم آخر قصائده، بشتلة الفنّ، وحدها المخلّصة، إنّها تبزغ الآن: /في هذه اللحظة/ تحدث معجزة كبرى/ قشر البيضة يتكسّر/ في العشّ الهادئ/ ويطلّ الفنّان/ الطفل المسحور/ ابن الموسيقى المجنون/ العصفور./

شعر بندر هو بندر ذاته، يا للتّطابق النادر! يكفي من لم يعرفه شخصيّاً، أن يقرأ أشعاره! ومن لم يلتق به، فلينظر بين الأشجار حوله!

بندر لا يموت، وحقيقة ما حدث يوم 17 شباط/ فبراير 2020، أنّه صار شجرة!

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية