نداءات مفيد عيسى أحمد... يحرسها البطل في وقفته الأخيرة
عماد الدين إبراهيم - خاص فينكس
من يقرأ المجموعات القصصية للكاتب مفيد عيسى احمد و التي حملت العناوين التالية: "ثلاثة نداءات و تصبح نجمة – 2010" "البطل في وقفته الأخيرة – 2011" "حارس الفلة البنفسجية – 2019" "ثلاثة أهداف لبرشلونة – دار ليليت في مصر 2010" يجد في كل مجموعة منهم خيطاً نفسياً درامياً يجمع بين أغلب القصص، و هو حالة نفسية مشتركة بين أبطال هذه القصص، ففي المجموعة الأولى نجد الأديب مفيد يستمد موضوعاته من ذاكرته العميقة التي تكونت في القرية التي ولد فيها و تتمدد لتصل إلى المحافظة "طرطوس – حمص" و هي قرية كبيرة من ناحية العلاقات الاجتماعية بين الساكنين فيها.
شخصيات هذه القصص كائنات إنسانية بسيطة تعيش حياتها دون تعقيد أو تكلف، و لا تخلو من السخرية المرة كما في قصة "مطار عكرمة الجديد"، لكن الخيط النفسي الذي يجمع بينها هو شعور الحسرة و الأسى الذي يطغى على أبطالها، الحسرة على ما مضى من حياتها، و الأسى على وضعها الحالي، مع ندم غير مجدٍ على ما فات و لن يعود، هذا الحس الإنساني هو الناظم الذي يربط بينها، و أكثر ما يتجلى في قصة "زبيدة و نسيم البحر" حيث تضيع الحبيبة من يدَي العاشقَين لها، المعلم القادم إلى الحي، و ابن الحي العامل في المرفأ الذي يتظاهر بأنه يقرأ دون أن يعلم أن كتابه مقلوب. و في قصة "وردة لوجه مريم" حيث بطلها الفنان التشكيلي العاشق لريم و لفنه، و لكن زميلاً أخر فناناً متكبراً يدعوه للتوقف عن الرسم فتكون تلك الدعوة باباً للأرق و الخيبة و العذاب و الحُمَّى .
يتطور الشعور بالحسرة و الأسى و الندم إلى الموت ، الموت الذي يتجلى بأشكال مختلفة، لكنه بالنتيجة هو الغياب من فضاء القص و من ساحة الفعل، ليترك ما تبقى من ذكريات في نفوس أهله و أصدقائه و أحبابه، نهاية الموت موجودة في القصص التالية : " سر الشجرة الغريبة : موت بطلها تامر العيود " ، " طيف الماء : غرق بثينة و موتها و اختفاء الرجل الغريب خطيبها سابقاً " ، " أبو ليلى: موت ديب الصديق الأقرب لأبي ليلى ".
الحب الخائب و العشق الفاشل هو أيضاً خاتمة للعديد من القصص منها مثلاً: قصة "مطر أول" و فيها نجد الطفل العاشق لناديا و الذي يكون مرسالا بينها و بين حبيبها، لكنه لا يوصل أغراضها له حين قررا الهرب و بذلك أفشل خطتهما لأنه لا يريدها أن تغادر البلدة، في "زبيدة و نسيم البحر" نجد الضياع خاتمة للعاشقَين المعلم و عامل المرفأ، لتتزوج من شخص غريب عن الحي، قصة "أبو ليلى" و بطلها الذي يفشل في حبه و يعود منكسراً إلى قريته، و في غيرها من القصص .
في المجموعة القصصية الثانية "البطل في وقفته الأخيرة" يتسلل الشعور بالخيبة و الفشل و عدم الرضا إلى نفوس الأبطال، خيبة الأديب الجزائري مالك حداد من إتقان اللغة العربية ليتمكن من قراءة رسالة صديقه الشاعر سليمان العيسى، التي بعثها له من دمشق و حمَّلها لبطل القصة الموفد إلى الجزائر لتدريس اللغة العربية، مما يجعله يضغط على أسنانه حتى تتكسر و يسيل الدم، في قصة " سفر الكلمات البعيدة "، أيضا خيبة مغنِّي الكورس في أن يصبح مطرباً معروفاً يغني لوحده، يتبعه كورس يردد وراءه كما في قصة " أغنية أولى أغنية أخيرة " .
الهاجس النفسي و القلق حاضر بشكل طاغ في قصتي "4×4 حاسر الرأس" و "دوائر الحياة الفائتة" في الأولى نتابع صورة الموظف الذي يأخذها جواد و يجوب بها شوارع البلدة مما يسبب قلقاً لصاحبها، و لكن في النهاية يشعر أنها فعلا للمجنون جواد و ليست له، و إن كان هناك شبهٌ بينهما، و في الثانية نجد الإحساس بوطأة الزمن و التردد و الحيرة و الحاجة إلى علاقات اجتماعية خارج الدوائر المعتادة التي تحيط بالإنسان من كل جانب.
الملفت للنظر أن الرقم يحضر في قصص مفيد عيسى أحمد بارزاً في عنوان المجموعة كمجموعة "ثلاثة نداءات و تصبح نجمة" و مجموعة "ثلاثة أهداف لبرشلونة" و مجموعة "البطل في وقفته الأخيرة"، أو ضمن المجموعة كعناوين لعدد من القصص إضافة للعناوين السابقة كقصة "ثلاثة حقول و أربعة براعم" "كلمة من ثلاثة أحرف" "أغنية أولى أغنية أخيرة" "4× 4 حاسر الرأس" "مطر أول"، "خمس ليرات فقط"، "نشرتا استعلامات"، حين توجهت بالسؤال إلى الكاتب مفيد عيسى أحمد عن أسباب حضور الرقم في كتاباته؟ و هل هو متعمد أم عفوي؟ أجاب بالقول:
((بخصوص ورود الأرقام في سياق النص القصصي أو في العناوين، بعضها ورد عمداً و ذلك لغرض فني إبداعي، حيث الرقم هنا ليس رقماً مجرداً ذا مؤدى إحصائي فقط، بل هو حامل لدلالات أخرى، ففي قصة ثلاثة نداءات و تصبح نجمة و التي أخذت مجموعتي الأولى عنوانها، النداءات الثلاثة هي كناية عن نداءات وجودية: نداء الطبيعة ، نداء الأنثى ، نداء الغيب / الغياب، في قصة البطل في وقفته الأخيرة، و التي أخذت مجموعتي الثانية عنوانها، كذلك أخذت سمة "الأخيرة" بُعداً دلالياً، فهذه الكلمة تحيل إلى النهاية المنتظرة، إلى الجمود و الستاتيكية. مجموعة " ثلاثة أهداف لبرشلونة " كذلك أتى هذا العنوان قصداً، و هو برأيي غير مناسب و ندمت عليه فيما بعد، فقد وضعته لغرض تسويقي، كون الكتاب صدر من مصر عن دار ليليت و مكتبة محطة مصر، في قصة " ثلاثة حقول و أربعة براعم " الرقمان مقصودان، و لهما علاقة بمكونات الجسد، هناك أرقام أتت في سياق النص القصصي
أو في العنوان دون قصد، ربما تطلبها الحدث كقصة " مطر أول" ))
إضافة لما قاله المؤلف و لتفسيره لأسباب حضور الرقم بهذه الكثافة في كتاباته، فإن هناك أسباباً أخرى برأيي تكمن في اللاشعور العصي على التفسير الذي يجعل الكاتب يلجأ إلى الرقم في العنوان، هل هو الجرس الموسيقي للفظة ؟ هل هو البعد الدلالي و الفلسفي للرقم ؟ ربما هو كل ذلك، فقد كتب الكثير عن الأرقام و دلالاتها و رمزيتها فلكياً و دينياً في مختلف الحضارات، و عند جميع الشعوب و الأمم. هناك أرقام صارت دليلاً للشؤم و النحس الرقم /13/ مثلا، و هناك أرقام تشير إلى الحظ و السعادة، الرقم ثلاثة الذي تكرر كثيراً في كتابات الأستاذ مفيد عيسى أحمد، له رمزية تستحق التوقف عندها، فهذا الرقم يجسد فكرة الثالوث الذي هو أساس العديد من التعاليم الدينية والفلسفية، أبعاد الفضاء ثلاثة: الطول والطول والعرض، المادة توجد بثلاث حالات: صلبة، سائلة، بخارية.
و هناك الولادة و الحياة والموت، البداية و الوسط و النهاية؛ و للزمن ثلاثة: الماضي و الحاضر و المستقبل. و يعتبر الرقم / 3 / تجسيداً للحظ. بشكل عام فإن رمزية الأرقام تقول: إن رقم ثلاثة هو أول رقم قوي مثالي، لأنه مكوَّن من الواحد بدلالته فلسفياً و دينياً، و الاثنين. و هنا نتساءل : لماذا اختار الكاتب هذا الرقم عنواناً لمجموعتين له ؟ و لعدد من القصص؟ هل يريد أن يؤكد لنا أنه سيحضر بقوة في أذهان قرَّاء كتاباته و في المشهد الأدبي؟ و هل تحقق ذلك؟ أسئلة ليست سهلة الإجابة عنها، خاصة في ظل التفجر المعلوماتي و غياب النقد المتابع للإنتاج الأدبي ، بعكس الحال في النصف الثاني من القرن الماضي حين كان النقد يتابع الأدب و الأدباء و استطاع " تنجيم " بعضهم و صاروا رموزاً أدبية معروفة، أما في المراحل اللاحقة فقد انشغل النقد بتلك الرموز و نسي أو تجاهل الأجيال التالية من المبدعين، في حين غرق النقدُ الأكاديمي بنظرياته النقدية التي انشغلت بنفسها و خصائصها و فلسفاتها دون أن تنتج نقداً معادلاً و متوافقاً مع رؤيتها.
في الختام لابدَّ لنا من القول إن الأديب مفيد عيسى أحمد استطاع أن يقدم نفسه و كتاباته بقوة و ثقة في المشهد الأدبي السوري و العربي، مستنداً إلى ثقافةٍ واسعة و ذائقةٍ نقدية ناضجة، و قدرة على السرد المميز الذي يشدُّ القارئ إلى فضاءاته الشاسعة.