برسيوس و الميدوزا... الموت في العيون و الرُّعب مِن الآخَر
د. بشرى عبّاس
تنطلق القصة من تحدّي الميدوزا للإلهة أثينا، تروي الأسطورة أنّ الميدوزا كانت ذات جمال خارِق، و تبجّحَت بعينَيها الزّرقاوَين رائعتَي الجمال، و بشَعرها الذّهبي. و بَلَغَ بها الأمر أن أعلَنَت أنّها أكثر جمالآ مِن الآلهة. و وصلَ ذلك إلى مسامِع أثينا فأعلنت مُعاقبتها، لأنّ الميدوزا كانت تلجأ إلى جمالها لكي تغويَ و تتملَّكَ الآخَرين. قالت لها إذن: سوف أكتشف النيّةَ الحقيقيّة مِن جمالك: إنّكِ تلجئين إليه لمنفعتكِ الخاصّة. فالإغواء الحقيقيّ يجب مُمارستَه للتحرُّر، و ليس لأسرِ الآخَرين، إنّكِ تستفيدين مِن قدراتكِ الإغوائيّة لكي تشلّي الآخَر، و تجعلي منه عَبدآ لكِ. فمن الآن فصاعدآ، إنّ نظرَكِ الذي كان حارّآ و شهوانيّآ، سوف يصبح ذا بريقٍ باردٍ جدّآ. أنتِ الآن النظَرُ الذي يقتِل و يُحجِّر. ففي نهاية الأمر، هذا هو المعنى الحقيقيّ لعينَيكِ. و زيادةٌ على ذلك، سوف يتحوَّلُ شَعركِ الذي طالما تباهيتِ به إلى حدٍّ كبير، إلى أفاعٍ، لأنّكِ هكذا قُمتِ باستعماله. حُبّكِ هو حُبّ الأفعى التي تغوي لكي تُحجِّرَ، و على هذا النّحو تستطيعين افتراس ضحيّتك. فمن الآن فصاعدآ، لن تستطيعي إخفاء الموت الذي تحملينه في عينَيكِ و شَعركِ.
و على هذا النحو، فإنّ الميدوزا ذات الجمال الفائق، حُوِّلَت إلى صورةٍ مُرعبة، و نحن نعرفها جيّدآ بوجه مُرعب ذي شَعرٍ من الأفاعي و عيون تقتِل و تُحجِّر مَن يُجازف بالنّظر إليها. فضلآ عن ذلك فقد كان يتمّ تصويرها دائمآ و هي تقوم بتكشيرةٍ مُروّعَة، و لسانُها ممدود إلى خارج فمها. معنى هذا الوجه المُرعِب و تحوَّله هو ما يُمثِّل المجهول: فالمجهول بالنسبة لنا مُرعبٌ و يشلُّنا دائمآ. أمّا التكشيرة فتُمثِّل المختلف و المُتنوِّع و إظهار اللسان يُعيدنا إلى طفولتنا عندما كنّا نخشى التكشيرات.

و قصّة برسيوس البطل الشّاب المُكرّس لأثينا، تُظهِر الطريق الذي سيكون على الجميع اتّباعَه لمواجهة الميدوزات اللائي بإمكانهنّ الظهور في حياتنا. أي (الشّجاعة لمواجهة الخوف مِن المجهول). تُخوِّل الإلهة البطل الشّاب مُهمّة قتل الميدوزا و إحضار رأسها إليها. و يقع على عاتق برسيوس تنفيذ المهمّة المطلوبة: ليس بالإمكان الحصول على الحكمة دون غلبة الميدوزا، ينطلق إذآ لكي يبلغ هدفه، لكنه لا يعرف الطريق، غير أنّ إله الشّمس (هليوس) يُعطيه المفتاح.
كان يعرف أنّه لن يكون بوسعه التّحديق بالميدوزا وجهآ لوجه، لأنّه إذا فعل ذلك فسيموت مُتحجِّرآ في الحال. و لم يكن بوسعه أيضآ الإمساك بها مِن ورائها لأنّ أفاعي رأسها سوف تلدغه حتّى الموت، فاستخدم إذآ خدعة كانت الإلهة أثينا نفسها قد علَّمَته إيّاها. انتظر برسيوس الميدوزا حتّى استغرقت في النّوم، فأخذ يُلمِّع ترسَه حتّى تحوّل إلى مرآةٍ فرأى صورة الميدوزا مُنعكِسةً فيه، و بالتالي استطاع الاقتراب منها دون النّظر إليها و دون إدراكها ذلك أيضآ.
و هكذا طعَنَها مِن مسافةٍ آمنةٍ بضربةٍ صائبةٍ قاطِعآ بذلك رأسها. فوضعه حالآ في كيسٍ، و انطلق بأقصى سرعته، دون أن تستطيع اللحاق به. و توجّهَ إلى الأولمب لكي يُسلِّم الرأس الرّهيب لإلهة الحكمة أثينا. فقامت هذه الأخيرة بوضعه في مركز ترسها ممّا يعني أنّ التّرس امتلك الآن قدرةً على إقصاء و غَلَبَة المجهول، ذلك أنّها كانت تُمثِّل قوّة الفطنة الضّروريّة لكي تُفتح أبواب الحكمة.