الكرسي: غواية القوة.. متعة الاسترخاء، و كرّاس المؤخرات
2021.02.15
يحيى زيدو- خاص فينكس
الكراسي.. أشكال جذابة، تصاميم بديعة، ألوان جميلة متناسقة مع المكان، و بساطة مسكونة بالفخامة، لكن لكثرة استعمالها في حياتنا اليومية، بحكم العادة، لم نعد نهتم برموزها و دلالاتها.
"الكرسي" مذكر في اللغة و الرمز، مؤنث الدلالة و الوظيفة. نألف وجوده منذ الطفولة و حتى الشيخوخة في كل مكان؛ في البيت، و المكتب، وفي المسرح والسينما و الملاعب. ويقدر عدد الكراسي في العالم بحوالي (60) مليار كرسي، بمعدل 8-10 كراسي لكل إنسان. فلا يمكن الاستغناء عن الكرسي في حياتنا وظيفياً أو جمالياً كجزء من الأثاث و الديكور، أو كتعبير عن الحاجة بحسب الوظيفة المرجوة منه.
تاريخ الكراسي:
- لا يوجد تاريخ محدد لبدء علاقة الإنسان بالكرسي، فالأرض هي الكرسي الأول للإنسان، الذي ما إن امتلك القوة وعرف معنى التراتبية و الرفعة، حتى احتقر الأرض، و ترفع عنها باختراع الكرسي الذي سيصبح معادلاً للسلطة، و موازياً للقوانين.
في المحاكم هناك القضاء الجالس (قاضي الحكم)، والقضاء الواقف (قاضي النيابة)، وسلطة الجالس فوق سلطة الواقف.
لعل أقدم كرسي وصلنا من الحضارات القديمة كان كرسي حمورابي البابلي (إله الشمس) الجالس على كرسيه، وهو يرفع بيديه ألواح القوانين والشريعة، و الكهنة أمامه يقفون.
الفراعنة اهتموا أيضاً بالكرسي، كما تدل على ذلك النقوش على جدران المعابد والأهرامات، وربما أدخلوا عليها وعلى طقوس الدفن بعض التطوير، باعتبار الكرسي تطويراً أولياً للقبر الأول (قبر هابيل).
و ربما كان فعل (جلس - يجلس) يحيل سيميائياً إلى فكرة الكرسي، و ما يثيره من مشاعر التفرد والقوة و التحكم والزهو، لأن للكرسي مقدرة ممنوحة لمن يجيد استعمالها، تحيل إلى طاقة متعددة الغايات، ترتبط إلى حد كبير بالشكل و التصميم.
على الرغم من وجود الكرسي في بعض الحضارات القديمة، فإن كثيراً من الحضارات لم تعرف الكرسي قبل العصور الحديثة. ففي الكتاب المقدس (الإنجيل) لا وجود لذكر الكرسي، كما لم يرد ذكر الكرسي في ثلاثين ألف بيت من الشعر أنشدها "هوميروس"، وحتى مسرحية "هاملت" للكاتب الشهير "وليام شكسبير" لم يرد فيها ذكر الكرسي، لكن في مسرحية (الملك لير - 1623) ترد أولى الإشارات إلى الكرسي من خلال مشهد دخول الملك محمولاً على كرسي فوق أكتاف الخدم. و في منتصف القرن (19) سيحصل تطور كبير، حيث نجد ذكر الكرسي (187) مرة في رواية (البيت الكئيب) للروائي (تشارلز ديكينز)، كنوع من التأثر بالدور الهام الذي صار للكرسي منذ تلك الفترة. و ربما كانت كلمة (chair) الإنكليزية تشير إلى معنى الرئيس (chairman) أو الرئيسة (chairwoman).
الكرسي، إذن، هو ابن العصر الحديث، عصر الثورة الصناعية بالتحديد، حيث تنوعت أشكال الكراسي، و تعددت وظائفها منذ ذلك العصر. فصار الكرسي يدل على القوة والهيبة، والسلطة و السطوة و التفرد. و ربما منها ظهر مصطلح البيروقراطية (bureaucracy) الذي يعنب حرفياً (حكم المكاتب) و لا مكاتب بلا كراسي.
رجل السياسة يمارس عمله على الكرسي، و رجل الأعمال يدير أعماله على الكرسي، والقاضي يحكم من على الكرسي، و مديرو البنوك، و أرباب العمل في قطاعات الخدمات والسياحة والمهن الطبية والهندسية و غيرهم يؤدون أعمالهم على الكرسي.

وكان لا بد أن أن ينعكس تعدد وتنوع الأعمال كنتيجة من نتائج الثورة الصناعية على الكراسي، التي تعددت و تنوعت بدورها لتكون صالحة لكل مهنة، وكان اختراع الكرسي الدوار فكرة مالية و عصرية في آن؛ كرسي يدور في كافة الاتجاهات، و يسهِّل على الشخص تناول الملفات، و الجالس عليه يلفت الأنظار بحركة انسيابية سريعة، بعكس كراسي المقاهي الثابتة.
الكرسي: أنواع و رموز و دلالات
الكرسي في المنزل لم يعد يؤدي وظيفة الكرسي التقليدي، بل صار من ضرورات الديكور الحديث في المنزل المعاصر، يتم طلاءه بلون مختلف لكسر الرتابة، وتعزيز مكانة الشخص الجالس عليه، وصار ينبغي عدم تجاهل الكرسي لا شكلياً ولا وظيفيًّا في ديكور المنزل، لما للكرسي من تأثير على النظر، وجذب العين كليًّا إليه، وذلك بسبب وجوده ككتلة قائمة بذاتها، تتسع لشخص واحد فقط، و يكون الكرسي موجوداً ليس لكي يخفي باقي قطع الأثاث بل لإظهارها، فكل قطعة من الأثاث توجد من أجل إظهار القطع الأخرى. و في البيوت اعتدنا أن نجد كرسي الأب على رأس الطاولة باعتباره المدير الاجتماعي و المالي للمنزل، كما أن الكرسي في المكاتب صار جزءاً من الديكور، إضافة إلى وظيفته العملية.
الكراسي أنواع، ولكل منها شكل، و وظيفة، و رمز ودلالة أو إيحاء؛ في القرآن الكريم، ربما كانت واحدة من أعظم الآيات هي (آية الكرسي) في (سورة البقرة)، وقد اختلف الفقهاء في تفسير معنى الكرسي في قوله تعالى: (وسع كرسيه السموات والأرض)، غير أن التفسير الأقرب للعقل، باعتقادي، هو أن (الكرسي) يعني علم الله تعالى.
و بالإضافة إلى (كرسي العرش)، هناك أنواع أخرى من الكراسي التي تحيل كل منها إلى إحساس أو دلالة مختلفة، فهناك (كرسي النبوة- المنبر و الإسلام و الدولة الجديدة )، و(كرسي المسيح – الوصية و الوداع)، (كرسي آدم-البسيطة أو الأرض)، (كرسي حمورابي- القوانين و الشريعة)، (كرسي الاعتراف في الكنائس- البوح و الذنوب)، (كرسي التحقيق- الاتهام و التعذيب)، (كرسي الإعدام –العقوبة)، (كرسي الحلاق- الثرثرة)، و (كرسي الطبيب النفسي) الذي يوحي بالراحة و الاسترخاء، و(كرسي طبيب الأمراض النسائية) الذي يجعل المرأة تجلس في وضعية تسمح بمعاينتها، و (كرسي طبيب الأسنان) الذي يوحي بالخوف والألم على الرغم من هدوء الطبيب، و محاولته طمأنة المريض. و (كرسي الإعاقة) التي من أشهرها كرسي (ستيفن هوكينغ) الذي قضى حياته جالساً على كرسيه، مستدعياً الكون بعلمه و أبحاثه إلى كرسيه ذاته.
غير أن الكراسي التي تستحوذ على اهتمام البشر هي (كرسي السلطة)، الذي يهابه الناس، و يسعى إليه المغامرون و الطامحون بالحكم و السيطرة، نذكر هنا كرسي النبي سليمان، بما يرمز إليه من رفعة و قوة و جاه، هذا الكرسي هو الذي جعل "بلقيس" ترفع ثوبها،خشية البلل، حين حضرت للقاء النبي سليمان، لأنها اعتقدت بأن الأرض مغمورة بالماء لشدة لمعانها و بدعة تصميمها.
الكرسي في الأدب و الفن:
للمفكرين و الأدباء علاقة حميمة مع الكراسي بعكس الشعراء الذين يمكن أن يلقوا أشعارهم واقفين، و يكتبوا ما تجود به ملَكَتهم في أي مكان دون حاجةٍ للجلوس على كرسي و طاولة. كثير من الأدباء كانوا يختارون كراسيهم بأنفسهم، و قد اكتسبت تلك الكراسي قيمتها من علاقة الكاتب أو المفكر بها (بلزاك- ديستويفسكي-تولستوي على سبيل المثال). وتفخر كثير من المقاهي الشهيرة في الغرب والشرق على السواء باحتفاطها بالكراسي التي جلس عليها مشاهير الأدب والفن والفكر والسياسة.
و في الفن التشكيلي كان الكرسي ملهماً لكثير من كبار الفنانين الذين أبدعوا الكثير من الأعمال الفنية، ولعل سلسلة (المرأة و الكرسي) للسوريالي الإسباني الشهير (سلفادور دالي) من أبرز تلك الأعمال. أما في الفن التشكيلي العربي فلا يمكن إغفال لوحة (آخر شخص في المقهى) للفنان التشكيلي (سعد يكن) حيث تبدو الكراسي فارغة، و بعضها مقلوباً فوق الطاولات، فيما يجلس شخص وحيد في حالة استرخاء في زاوية المقهى.
في المسرح ربما كانت مسرحية (الكراسي) لواحد من روَّاد مسرح عبثي (يوجين أونيسكو) من الأعمال اللافتة، ففي حفلة زواج يحضر الزوار الوهميون، و يجلسون على كراسي وهمية لا وجود لها، لكن الطريف في المشهد هو أن الزوار الوهميين، يبدو عليهم الضيق، بسبب وجود كراسي كثيرة في القاعة، فيمرون بصعوبة بينها..
و لو أردنا أن نتحدث عن علاقة الأدب و الفكر و الفن بالكرسي فإن ذلك قد مجلدات.
الكرسي في الثقافة و المجتمع العربيين:
ربما لم تتطور صناعة الكراسي في المجتمعات العربية بما يتناسب و خصوصية المجتمع من حيث البيئة و المناخ و الوظيفة، و تم الاكتفاء بما صدّره الغرب إلينا، و تصنيع نماذج مماثلة له. و ربما كان الأساس في الثقافة العربية هي فكرة (الأريكة ) و (المصطبة) لا الكرسي.
في الأرياف غالباً ما تكون الأريكة أو (المصطبة) هي مكان الجلوس، وهي مكان تشاركي يفيد معنى الألفة، وحتى الكراسي المصنوعة من خشب التوت و القش في الريف تكون واطئة تفيد معنى التشاركية والحميمية، بعكس المدن التي عرفت الكراسي الخشبية العالية (كراسي الخيزران بشكل أساسي) التي غزت البيوت و المقاهي، قبل أن تتعدد أنواع خشب الكراسي و المعادن التي تصنع منها قوائم الكرسي، وصولاً إلى الكراسي البلاستيكية التي كثر الاعتماد عليها لخفة وزنها، و رخص أسعارها، و أشكالها المتعددة الألوان.
و مع ذلك فقد اكتسب الكرسي بعض الدلالات الشعبية. و يعلم رواد المقاهي في دمشق كيف أن حركة تدوير كرسي في المقهى على قائمة واحدة باتجاه شخص جالس، قد تتسبب بمشاجرة لأن هذه الحركة تفيد معنى التحدّي. و يفهم هؤلاء الرواد أيضاً بأن وضع الكراسي بشكل مقلوب فوق الطاولات يعني أن المقهى سيغلق أبوابه. و حتى تسعينيات القرن الماضي كان يمكن لزوار سوق الحميدية التاريخي بدمشق أن يلاحظوا أن أصحاب المحلات لا يغلقون محلاتهم في النهار، بل يضعون كرسياً بشكل مائل على باب المحل و يذهبون لأداء الصلاة، أو قضاء حاجة في السوق دون خشية من دخول لصوص أو غرباء على المحل في غياب صاحبه.
الكرسي.. كراس المؤخرات و كاتم أسرارها:
الكرسي هو سجل تاريخ المؤخرات بامتياز.. فلا قيمة لكراسٍ بلا مؤخرات تجلس عليها، مذكرةً أو مؤنثة، كبيرةً أو صغيرة، جميلةً أو قبيحة.. وربما صاغ المجتمع الاستهلاكي صورة نمطية عن المؤخرة الأنثوية التي تبرز أهمية الكرسي الذي تجلس عليه،مثل (مارلين مونرو، بريجيت باردو، كيم كارديشيان..)و غيرهن من نجمات الإغراء.
علاقة الأناث بالكرسي أقوى من علاقة الذكور به، ربما بسبب طبيعة كلٍّ منهما، و طبيعة العمل الذي يؤديانه بحسب تقسيم العمل في المجتمع.
و تبدو مؤخرة رجل السياسة هي الأكثر التصاقاً بالكرسي، بعكس العسكري الذي تبدو علاقته بالكرسي ظرفية مؤقنة و وظيفية، وغالباً ما يبدو السياسي جالساً في الصورة، بعكس العسكري الذي يظهر واقفاً معظم الوقت.
علاقة مؤخرة رجل الدين بالكرسي متأخرة نسبياً، فالكهنة في الديانات القديمة كانوا يؤدون الطقوس واقفين، و أهميتهم كانت تأتي من وظيفتهم، ومن قربهم من الحاكم في الوقت نفسه. و في الديانات الإبراهيمية حافظ رجل الدين على وظيفة أداء الطقوس بدون كرسي، و لم يكثر جلوسه على الكرسي إلا بعد أن صار رجال الدين، الدعاة منهم بشكل خاص، نجوماً على شاشات التلفزيون.
ماذا لو كان للكراسي ذاكرة و فم..؟ ماذا كانت ستقول؟
-
1- كرسي: سلفادور دالي.
-
2- آخر رجل في المقهى: سعد يكن.
-
3- المرأة و الكرسي: سلفادور دالي.4
-
- كرسي: فان غوخ.