إنهم يكتبون الشعر...
2021.02.14
عماد الدين إبراهيم- خاص فينكس
منذ أن صرخ عنترة بن شداد صرخته الشعرية متسائلا و مستنكرا و مقرا: هل غادر الشعراء من متردم؟ و رددت الصحراء صرخته تلك، كان و ما يزال الشعراء يقرضون الشعر إبداعا - حينا - و (يقردونه) نظما و تقليدا و هراء أكثر الأحيان، غير آبهين بتلك الصرخة التي ضاعت في فيافي البوادي و بين العربان، خاصة بعد أن تم ابتداع الشعر الحر أو الشعر المنثور أو النثر المشعور أو غيرها من التسميات المتعددة، فلم يكن ينقص الشعر إلا هذه التمردات على قواعد نظمه من عروض و قافية، و التي تقتضي امتلاك لغة عربية سليمة بالحد الأدنى، حتى أصبح هذا الجنس الأدبي مريح المنال، واطئ الجدار للتجاوز، سهل الانتهاك من قبل كل راغب بدخول نادي الشعراء.
و بالتأكيد سيبقى هذا الامر مستمرا لأجيال و أجيال، و لن يضيره انتزاع مكانته المعروفة ( الشعر ديوان العرب) لتأخذ الرواية هذه المكانة الرفيعة كما يرى البعض، و لو لم يبق عرب أو دواوين أو مضافات لمسامراتهم بعد أن اكتسح الواتس أب و الفيسبوك ساحات التواصل الاجتماعي، و حلا محل (المنزول) و ( المضافة) و (الديوانية) للقاءات و الأحاديث المكتوبة و المسموعة و المرئية، قبل حصار كورونا و بعده.
الشعر العربي من سوق عكاظ و خيمة النابغة حتى شاعر سوق الحشيش على حد تعبير صديقنا الأديب - القاص مفيد عيسى أحمد و ما في الأخير من تحليقات خنفشارية و تجريدات صورية و تفجيرات لغوية، ما يزال هناك من يرى في الشعر ذائقة جمالية قادرة على التعبير عن هموم المجتمع، و قضاياه و مستوى وعيه و تفكيره، و يضفي عليه تعميما جمعيا، رغم أن الشاعر الألماني غوته اعترف قائلا: ( لقد حاولت أن أجسد كل ما كان يشغلني أو يفرحني أو يحزنني في صورة أو قصيدة، و بهذه الطريقة كنت أصفي الحساب مع نفسي بنفسي)، و الشاعر الأمريكي وولت ويتمان يصف نفسه و هو يكتب الشعر: ( إني أحتفل بذاتي)، و الناقد ستيفن سبندر يقول عن الشاعر إليوت: ( إن أغرب ما في إليوت أنه يستطيع - و هو الشاعر - أن يغمض عينيه عن وجود الناس خارج ذاته)، حتى إن بعض النقاد رأى أن الحداثة الشعرية هي انشغال الشعر بنفسه.
الشعر إذن أحلام فردية، ذاتية، تعبير عن هواجس النفس و تهويماتها، بل حتى قراءة الشعر هي كذلك كما يرى المفكر الفرنسي غاستون باشلار الذي قال: ( أن نقرأ الشعر يعني أساسا أن نمارس أحلام اليقظة)، و معروف أن كثرة الأحلام، و خاصة أحلام اليقظة، تؤدي بصاحبها إلى الفشل الذريع، و هذا ما عبر عنه إميل سيوران بالقول: ( ما من طريق أقصر إلى الفشل في الحياة من أن تقتحم الشعر بلا موهبة)، و ما أكثر المقتحمين لميدان الشعر الآن و سابقا و لاحقا، و قد قال الإمام الشافعي قبل قرون: و لولا الشعرُ بالعلماء يُزري لكنت اليوم أشعر من لبيد. فالشعر كما يرى فيه امتهان للمرء و قلة قيمة، و هذا الرأي موجود أيضا في ثقافات الشعوب الأخرى حيث نجد التناقض في النظرة إلى الشعر من الارتفاع به الى حد الوحي، أو النزول به إلى حد الثرثرة و اللغو و الأحلام الفارغة، و الطريق إلى الفشل.
حتى إن المفكر جان كوكتو تساءل مستغربا: ( لا غنى عن الشعر؟! حبذا لو عرفت لماذا؟)، و بودلير صاحب (أزهار الشر) صرخ يائسا: ( أيها الشعر كم تُضيمني و أحبك)، و كاتب هذه السطور أدركته لوثة الشعر فكتب عن (المتوحد راعي الرياح) مجموعة شعرية كاملة، مستلهما تشبيه الأديب اليوناني نيكوس كازانتزاكي لكتابة الشعر برعي الرياح، أي أنه غير مجد و غير مفيد، و لكنني استدركت نفسي و أنقذتها بلوثة القصة القصيرة فقط، على أمل أن ألحق بركب الروائيين و لو عبر عمل روائي واحد، لأن القصة لم تسلم من التردي إلى مرحلة ( ق. ق. ج)، من أجل السهولة و الاستسهال، و لا أحسب أن الرواية سيزري بها الدهر كما فعل بالشعر و القصة القصيرة و تصل إلى درك (ر. ق. ج) و إن كان في الواقعين الحقيقي و الأدبي ما هو أغرب من الخيال،. و فيهما من المفاجآت ما لا يخطر على بال.
و أختم مقالي بهذه الحادثة التي سردها رسول حمزاتوف في كتابه ( داغستان بلدي) "حدثني أبي قال: سألَتْ الشيخَ شاملَ العظيم يوما بطانتُه: يا إمام قل لنا لماذا منعتَ نظمَ الأشعار و تأليفَ الأغاني؟ أجاب شامل: أريد أن يبقى الشعراء الحقيقيون وحدهم هم الشعراء، لأن الشعراء الحقيقيين يستمرون في نظم الشعر مهما حدث، أما الكاذبون و المنافقون الذين يدَّعون أنهم شعراء فسيخافون مني و يسكتون لأنهم جبناء، و هكذا يكفون عن خداع الشعب و خداع أنفسهم".