من الشاعر "سيرانو" إلى الممثل "أحمد الأحمد"... هل الأنف مُلكيةٌ عامّة؟
جواد ديوب-خاص فينكس
هل تخيلتم وجوهكم من دون أنف؟ هل تمعنّتم جيداً في شكل أنفكم؛ هذه الماسة الثمينة من الوجه؟ هذه القطعة من التِّبر الخالص الذي يمنح وجوهنا بصمتها الفريدة التي لا تنسى؟
يحكى عن الشاعر الفرنسي "سيرانو دو برجراك" كيف أثّر أنفُه الطويل البشع على حياته كلّها، وكيف جعله خجله الشديد من هيئته الغريبة يختبئ في قمقم الخوف من الانكشاف على الجميلة "روكسان"/المرأة التي عشقها حد الجنون، بل إلى حدّ أنه ساعدَ فتىً من نبلاء الريف -وسيمُ الوجه ركيكُ المنطق- وقعَ هو الآخر في حبها وخافَ ألا تبادله الحب، فما كان من "سيرانو" إلا أن مَكّنُه من أنْ يحظى بحبها عبر كتابة مكابداته ومواجعه الشخصية على شكل قصائد أوصلها الفتى النبيل إليها مدّعياً أنه كاتبها... إلى النهاية حيث تكتشفُ روكسان من دموع "سيرانو" وهيئته الشبحية الناحلة من العشق أنّه هو عاشقها الحقيقي، في مشهدٍ دراميّ مؤثر جسّده الممثل الفرنسي "جيرارد دو بارديو" في الفيلم المقتبس عن الحكاية.
ورغم الانتقادات التي وجّهت لفيلم "رسائل شفهية" حين عُرض عام 1991 لجهة الشبهة بينه وبين حكاية "سيرانو" الشهيرة تلك، إلا أنَّ ذلك لم يمنعه من أن يصبح أحد أيقونات السينما السورية المؤثرة في الوجدان بجرعات الكوميديا الساخرة ومرارة الخيبات والحب المستحيل، حين رأينا كيف جعلَ المخرجُ عبد اللطيف عبد الحميد "إسميعيل/فايز قزق" بطلَ الفيلم يُطلقُ النار على أنفه الطويل بعد أن صدّته "سلمى/رنا جمّول" مراراً بكلامها الجارح: "الله يكبّرو لعقلك أكتر مانو منخارك كبير"!
معضلة وجودية! يا إلهي! كيف لقطعة اللحم الناتئة هذه أن تصبح معضلة وجودية! كيف لها أن تَسِمَ حياتنا مرّة واحدة وإلى الأبد! ربما لأن الأنف يتجاوز كونه عضو الشمّ إلى كونه دلالةً على ما يتجاوز ذلك، فهو أداة تعذيب عبر العصور إذ كان يُقال: "جَدَعَ له أنفَه" دلالة على إهانة المُعذَّب وزيادةً في إذلاله.
والأنف أيضاً أداة سياسية للتجسّس إذ كثيراً ما قرأنا كيف أن للسلطان أو الخليفة أو الملك عسَساً ورجالاً "يتشمّمون" لهم أخبار الرعية، وحياة الولاة على الأقاليم، وأسرار العدّو، وخفايا قصور السلاطين الآخرين وحريمهم! فيما جعله الروائي الإيطالي "كارلو كولودي" سنة 1880 رمزاً للكذب إذ يحكي لنا حكاية "جيبيتو"/أبٌ فقير يعمل في حرفة النجارة ويعاني من الكساد لكنه يجد الإلهام من خلال رؤيته لأحد مسارح الدمى المتنقلة، فيقرر أن يصنع دميةً خشبيةً يسمّيها "بينوكيو" تحلم بأن تكون طفلاً حقيقياً. لكن "بينوكيو" (برمزيته التي تحيل إلى الإنسان كمخلوقٍ بشريٍّ محكومٍ ببشريته ومجبولٍِ بغرائزه وطبائعه) يستغلُ عاطفةَ الأب (برمزيتها وإحالتها إلى الخالق/الموجد/الصانع...) ويغرقُ في كِذباتٍ تجعلُ أنفَهُ الخشبيَّ يستطيلُ بشكلٍ مضحكٍ ومفزع وبلا قدرة على الخلاص من هذه الورطة/المعضلة إلا بالعودة إلى الصدق والإخلاص والمحبة!.
ولعلّ أجمل استخدامٍ للأنف ورد في حكاية "ليلى والذئب" حين تدخل ليلى إلى غرفة جدتها وتسألها مستغربةً: "لماذا أذناك طويلتان يا جدتي؟"، يجيبها الذئب المتنكّر بلباس الجدّة: "لكي أسمعك جيداً يا ليلى!"، ولماذا أنفُك طويل يا جدتي؟/ يقول الذئب: "لكي أشمَّ رائحتك الطيبة يا بنيّتي!".
كأنّ الأنف هنا يصبح دلالةً سيميائية مثل أحرف اللغة، أو دلالةً أنطولوجيّة نعِرفُ من خلالها هوية الآخر، ماهيته والشكل الذي سبق وعرفناه فيه
وتفرّدَ به هو لا غيرُه. ولأن للأنف هذه الأهمية الدلاليّة، خطَرَ في بالي ما فعله الممثل أحمد الأحمد حين "جمَّلَ أنفَه" (هل يمكن أن نقول: حين خدشَ أنفَه مِخلبُ عمليات التجميل؟!) مغيّراً بذلك شكل وجهه إلى الأبد! وأفكّرُ: لماذا أثارت فعلتُه هذه لغطاً وردودَ أفعالٍ متباينة بين مستنكرٍ ومتفاجئٍ ومؤيّد وساخر؟
لو ذكرنا مثالاً ما فعلته السيدة فيروز حين أجرت عملية تجميلٍ لأنفها وتساءلنا: لماذا لم تَثُر ثائرة الجمهور عليها؟ لماذا لم تتحول عملية التجميل تلك إلى قضية عامة؟ كأنّ أنفَها هو فعلاً شأنٌ شخصيٌّ جداً ولا يحقُّ لأحد أن يتدخل في قرار إبقائه كما هو أو تعديله وتغييره أو تجميله وتهذيبه. لكن في حالة الممثل الأحمد تتجاوز المسألة في اعتقادي كونها "حريةً شخصية" إلى كونها أمراً يمسُّ "صورةَ" الفنان في أذهان مُحبّينه، أمراً "يُشوّهُ" الكاريزما التي بناها الأحمد عبر أدواره وشخوصه كلّها، أمراً "يجرحُ" الذاكرة الوجدانية التي تركها أنفُه بشكله الغريب المحبّب في مخيّلة الناس... بل كأنَّ أنفَه أصبحَ "ملكيّةً عامةً" لا يحقُّ حتى له أن يتصرّفَ بها على هواه!.
أكتبُ هذه الأفكار فيما أنفي يتراقصُ يمنةً وشمالاً، للأعلى والأسفل كأنه فَهِمَ –بلمحةٍ إعجازية- أنه مقصودٌ بشكل أو بآخر. أتلمّسُه فرحِاً بهذه النعمة. أتأمله في المرآة وأتذكّر كيف تحوّل مرّةً إلى "حبّة بندورة مفعوسة" من شدّة ما عطست. أُخفّفُ عنه وأعِدُهُ بأنني سأرفّه عنه فوراً بالقليل من رائحة الليمون الباذخة مع وريقات النعناع المنعشة، أو بكأس متة مُعطَّرة بالميرمية...
أفلا تستحقّ أنوفنا –على عِلّاتها- هذا الدلال!.