دار الألحان.. بيت "الأنتيكا" والوفاء للكاسيت
رزان عمران- خاص فينكس- طرطوس:
إذا كنت مولوداً في طرطوس خلال السبعينات أو الثمانينات، ستستوقفك لافتة "دار الألحان" في شارع هنانو مثيرة حنيناً خاصاً، ممزوجاً بالإعجاب لاحتفاظها برونق جميل رغم القدم، أو ربما من صمودها بين عشرات اللافتات العصرية في الشارع ذي المحلات الأنيقة. تتبدل لافتات الشارع كل فترة على سبيل التحديث، أو بسبب افتتاح محلات جديدة بدلاً عن أخرى يئس أصحابها من انتعاش السوق، بينما تبقى "دار الألحان" في مكانها، محافظةً على لافتة بالخط الكوفي البسيط، وديكور صمَّمه مدرس الفنون جاسم العلي قبل أكثر من اربعين عاما، وواجهة مثيرة للفضول.
التغيير الوحيد الطارئ هو امتلاء المحل بالأنتيكات ووسائل الاستماع الموسيقي القديمة، وأجهزة الفيديو متنوعة الطراز، وآلات التصوير، والبضاعة الأصلية المتمثلة بأشرطة الكاسيت لنجوم ما قبل عصر الـ "سي دي" وبعده بقليل، وهي الأشياء التي شهد المحل بها أيام عزه حسب وصف ظافر زين، الذي يدير المحل حالياً بالنيابة عن والده خالد زين مؤسس "الدار".
يضيف زين لـ"فينكس": "كان المحل الأول من نوعه في المدينة، استثمر الوالد فيه خبرته العائدة إلى عقد الخمسينات في مجال الأسطوانات ومسجلات البَكَر، النظام الصوتي الذي أعقب الفونوغراف. كانت الأسطوانات تستورد من الخارج، بينما شريط الكاسيت يصنع محلياً. بدأنا العمل في السبعينات، لكن فترة البيع الأفضل بدأت مع الثمانينات، عندما أصبحت المسجلة موجودة في كل منزل تقريباً".
يذكر زين "حُمَّى" الشراء التي اقترنت بظهور أغانِ معينة. فالأغنية التي "تضرب" يندفع الناس لطلبها، وتكون باللهجة المصرية غالباً وذات إيقاع راقص، منها "شبكني الهوى" لأحمد جوهر، و"شيك شاك" للموسيقار الراحل حسن أبو السعود، و"يا ليلي يا عيني" لمايا يزبك. يذكر كذلك فترة بيع ذهبية عند رواج أغنية "يا ناس غنوا ويانا" للطفلة السورية هديل إدريس، وألبومات "ريمي بندلي"، وأول ألبومات جورج وسوف الذي تضمن موال "حاصبيا"، وصولا إلى ألبومات لعمرو دياب لاحقاً. كانت "دار الألحان" مميزة بتسجيلها شرائط المنوعات نظراً للطلب عليها أحياناً أكثر من ألبومات الفنان الواحد، مع الحرص على هوية سمعية تمثلت بإنهاء كل شريط بصوت يقول: "مع تحيات دار الألحان" بمرافقة دندنة على العود للفنان الراحل محمود الحاج ابن طرطوس.
يكاد يصعب الحديث عن أسعار الكاسيت في بداياته دون ربطها بأسعار المواد الغذائية، كنوع من تقريب الصورة والتحسر على سهولة المعيشة سابقاً، فسعر الكاسيت في السبعينات بدأ بعشر ليرات سورية، "يعني بسعر كيلو لحمة بوقتها" يوضح زين، مضيفاً: "مع بداية غزو السي دي في أوائل الألفينات، اندمجنا مع الموجة وقمنا بنسخ العديد من الأشرطة على الوسائط الجديدة، وشراء الألبومات الجديدة ضمن سيديهات، مع استبقاء الكاسيت الأصلي، لكن بيع السي دي انحسر أيضاً بعد وقت قصير من انتشار التحميل عبر الانترنت والاحتفاظ بالتسجيلات على الفلاشات التي اكتسحت كل شيء. لم نتخيل يوماً أن يصبح الحصول على الأغاني بهذه السهولة لدرجة إلغاء اشرطة الكاسيت التي كانت جزءا أساسيا من أيامنا وأمضينا عمراً في تجميعها واستنساخها حتى شعرنا أنها عصية على الاندثار".
يرفض "زين" تغيير هوية المحل أو بيعه أو استثماره في أي كار آخر رغم قلة المبيع. يضيف: "ملأته بالأنتيكات وأجهزة الاستماع القديمة وآلات التصوير التقليدية والأسطوانات والتحف وكل ما له صلة بزمننا الجميل. الأمر مرتبط بالشغف قبل كل شيء، فهو من يقود الناس لشراء الأنتيكا والكاسيت رغم صعوبة العيش وارتفاع تكاليفه. يأتيني أحياناً اشخاص متقاعدون أو ميالون إلى الأشياء القديمة ويطلبون شريطاً قديماً ما. هؤلاء قلة، لكنهم موجودون، ويشترون طالما مسجلاتهم تعمل ويوجد من يصلحها".
يقدم المحل أيضاً خدمة تحويل شريط الفيديو إلى سي دي، في عملية تستغرق ست ساعات إذا كانت مدة الشريط ساعتين. يقول زين: "التقنين الكهربائي ضيّق علينا الرزق حتى من هذا الباب".
ويحتفي كثيرون في عدة دول غربية منذ نحو خمس سنوات بعودة الكاسيت للحياة وارتفاع مبيعاته في بريطانيا خصوصا، كنوع من الوفاء بالنسبة لمن عايشوه، والفضول حياله بالنسبة للجيل الجديد، إلا أن الموجة ما زالت بعيدة أو ربما غير مكتَرَث بها في سورية في ظل وجود الانترنت وسهولة الاستماع بعيداً عن أي نفقات إضافية في الظرف الحالي الصعب.