موتٌ الكتروني.. خلودٌ افتراضي
2021.02.10
يحيى زيدو- خاص- فينكس
يعيش كثيرٌ من سكان الأرض في الفضاء الالكتروني.. فقد أغرت وسائل التواصل الاجتماعي مثل: الفيسبوك، تويتر، انستغرام، تلغرام، وغيرها من بنات العائلة الالكترونية الافتراضية، كثيرين بممارسة "غواية التواصل" مع آخرين، معروفين أو غرباء، لأسبابٍ نفسيةٍ، واجتماعيةٍ، ودينية، وسياسية، واقتصادية.
لقد تساوى في هذا الفضاء، العالم و الجاهل من حيث مساحة الحرية، و نال كل شخص ما كان يحلم به من فرصةٍ للتعبير عن مكنوناته و أفكاره، السامية منها أو الدنيئة على حد سواء.
وشعر كلُّ شخصٍ أنه يحوز ملكيةً خاصةً في فضاءٍ وهميٍّ، بدا و كأنه مشاعٌ بلا مالك حصري.. "غواية التواصل" جعلت الكثيرين يقضون معظم أوقاتهم في العالم الافتراضي بعيداً عن الحياة الواقعية التي، ربما، لم يجدوا فيها مكاناً لائقاً بهم.
وتحوَّل الأمرُ من "غواية التواصل" إلى "غواية الوصال "، فصار لكثيرين عدَّة حساباتٍ وهميةٍ، يقوم الشخص من خلالها بالتعبير، أو التنفيس، عن مكبوتاته الجنسية، والنفسية، والدينية، والاجتماعية، والسياسية.. و أصاب البعض نوعاً من الفصام النفسي "شيزوفرينيا"، فصار الحساب الذي يحمل الاسم الحقيقي للشخص هو الحساب النظيف أو المحترم، الذي يظهر فيه الشخص عقلانياً، أخلاقياً، متكيفاً مع قيم الجماعة الاجتماعية التي ينتمي لها.
أما الحساب الوهمي الذي يحمل "nickname- اسماً مستعاراً " فهو في الغالب يعبِّر عن الجانب النفسي الخفي لصاحب الحساب، الذي يحتال، بهذا الاسم الوهمي، على المحرَّم (التابو) الديني والسياسي والاجتماعي والجنسي، و يتواصل من خلاله مع آخرين يصعب عليه التواصل معهم في العالم الواقعي.
ملايين البشر صار لديهم حساباتهم في العالم الافتراضي، بعضهم مات، و جميعهم سيموتون.. فما الذي سيحصل لحساباتهم بعد الموت؟ و أكثر من ذلك، فإن الحساب نفسه قد يموت بالسكتة الإلكترونية بينما صاحبه ما زال على قيد الحياة عاجزاً عن تذكُّر كلمة المرور.. أو ربما يقرر "عزرائيل الإلكتروني" أن يقبض على روح أي حساب بسبب ما يعتبره "انتهاكاً" لمعايير هذا الموقع أو ذاك، أو "انتهاكاً " لخصوصية مجتمعٍ أو مؤسسةٍ أو شخصٍ، فما الذي يمكن أن يحدث لذلك الحساب؟!
لقد احتاجت البشرية مئات السنين لكي تكتشف فكرة المقبرة التي ارتبطت بفكرة الموت، وما سيلي ذلك من طقوس التشييع، والعزاء، والتأبين، والوصايا، والذكريات التي نرغب أن تبقى خالدةً.
و ربما كان الفراعنة من أكثر شعوب الأرض الذين اهتموا بالموت و طقوسه، وخلقوا فلسفةً خاصةً بهم عن الموت بقيت مؤثرةً في ثقافات الشعوب الأخرى حتى اليوم.
عندما يموت صاحب الحساب الإلكتروني ما الذي يبقى من هويته الرقمية؟ و عندما يصاب الحساب بالسكتة الإلكترونية و يموت، ما الذي يجب فعله؟
إن البشر هنا ليسوا بحاجة إلى غُرابٍ يرشدهم إلى كيفية إخفاء الجثة الالكترونية، وليسوا بحاجةٍ لوضع "شاهدةٍ " على القبر، لأن أيقونات الحساب تبقى معلَّقةً مثل شواهد القبور.. هنا كان يعيش فلان.
حين نموت قد تبقى حساباتنا على قيد الحياة دون أدنى قدرة على التحكم بها أو إزالتها.. و هنا تُطرح قضية "التركة " أو "الميراث " الإلكتروني.. من هو الشخص الذي يستحق هذه التركة؟ و ما هي الحدود التي يسمح له فيها بالتصرف بهذه التركة؟ و هل يحق له توريثها إلى ابنٍ له افتراضياً أو واقعياً؟
بعض الذين يموتون يكشف حسابهم الإلكتروني عن حياتهم "غير المحترمة" التي كانوا يحيَونها في العالم الافتراضي، في مقابل الحياة "المحترمة" التي حاولوا أن يعكسوها في محيطهم الاجتماعي.
فلماذا لا يتم الحفاظ على ذلك الجانب من حياتهم احتراماً لحرمة الموت نفسه، و إجلالاً للحياة نفسها، و احتراماً لحق الخصوصية الذي يجب أن يتمتع به الجميع؟
وماذا لو كان الميت-صاحب الحساب- أديباً أو شاعراً أو فناناً؟ أليس من حقه علينا أن نحفظ خصوصيته و تراثه الإبداعي في آن؟ أليس من حقنا أن نستمتع بهذا الإرث الذي سيصبح ملك الأمة و الإنسانية في آنٍ معاً؟
خاصةً وأن الكشف عن بعض الإبداع المفقود لأديبٍ، أو شاعر، أو فنانٍ، قد يكون بمثابة كنزٍ مفاجئ يزرع السعادة في نفوس محبيه و معجبيه.
برأيي، إن الأمر ليس مجرد ترفٍ، بل إنه قضية يجب مقاربتها بكثيرٍ من المسؤولية و الاهتمام.
ماذا لو يتم إنشاء مكاتب "دفن موتى الكترونية "؟ و لماذا لا تتم إقامة "مقابر الكترونية"؟ يتم تشييع صاحب الحساب إليها افتراضياً مع ترتيبات جنازةٍ لائقةٍ.. و تكون تلك المكاتب مسؤولةً عن حماية ميراثه من "الهاكرز " الذين ليسوا سوى نسخة الكترونية من اللصوص و قطاع الطرق في الثقافات السابقة على عالم المعلوماتية، و الانترنت.
كما تقوم تلك المكاتب الإفتراضية بتنظيم حفل التأبين، و طقوس الذكرى السنوية، ودعوة الأصدقاء لإحياء ذكرى صاحب الحساب، و وضع إحدى أيقونات الرموز المتداولة.. "حزن، غضب، دهشة.."، أو رموز أخرى مثل.. "نشتاق إليك، لن ننساك، سأذكرك دائماً، أنت باقٍ في قلوبنا.."، مع باقات ورد افتراضية خاصة بالميت.
وحبَّذا لو تتم إضافة أيقوناتٍ أخرى تكون من نصيب الأشخاص الذين أساؤوا لمجتمعاتهم أو للإنسانية، مثل أيقونات.. "الله لا يرحمك، ارتحنا منك، موتك رحمة لنا و مكسب للإنسانية..الخ".
في البدء كانت الحياة و كانت بلا موت، ثم اكتشف الإنسان أنَّ الموت هو النهاية المنطقية لكلِّ حياة، وهو إذ وعى ذلك سعى إلى الخلود، و كانت فلسفة الموت عند كثير من الشعوب ترى في الموت استمراراً للحياة في عالمٍ آخر، و ليس نهايةَ عدميةَ للحياة.
الأمر نفسه ينطبق على الحياة الافتراضية في الفضاء الالكتروني، فعندما تم اختراع هذا العالم لم يكن هناك تفكير في الموت.. الآن صار الموت الإلكتروني حقيقةً.
فماذا نحن فاعلون لصياغة فلسفة الخلود الافتراضي؟!.