تشيخوف عاشقاً فاشلاً ومعلّماً بارعاً.. (قصة حبي) أكبر من قصة وأقل من رواية
2021.02.08
محمد حسين- خاص فينكس
يحار القارئ في تصنيف كتاب "تشيخوف في حياتي"، (قصة حبي) للكاتبة ليديا أفيلوفا، الذي صدر مؤخراً عن دار فواصل، باللاذقية بترجمة رشيقة وسلسة للأديب نوفل نيوف. السؤال، الفخ الذي يدفع للحيرة هو: هل يمكن وضع هذا الكتاب في إطار المذكرات أم الرسائل، أم القصة كما عنونته كاتبته؟ ربما كانت التصنيفات الثلاثة صحيحة وهذا يدفعنا أكثر للحيرة الجميلة، فالكتاب يتضمن بعض الرسائل التي كان يرسلها الأديب أنطون تشيخوف للكاتبة، وكذلك المذكرات الموضوعة في قالب قصصي جذاب ونوعي، جعل منها قصة حب بغاية الرهافة والرقة.
الحكاية، رومانسية ولكن! قصة حبّ مضطربة، امتدّت لعشر سنوات من دون أن يعرف بها أحد، بطلا القصة هما سيدة متزوجة وأمّ لثلاثة أطفال، وهي الكاتبة ليديا أفيلوفا مع الكاتب الشاب وصاحب الشهرة أنطون تشيخوف، إلا أن المشاعر الجياشة التي جمعت بينهما كانت عبارة عن رسائل ورقية، ولم تتحول إلى علاقة حقيقية، فبقي حبهما عذرياً طهرانياً، حسب الرسائل الاننقائية، الواردة في المتن وربما هذه الخاصية تعود إلى أن الكاتبة هي من صاغ هذه القصة كتبتها على مقاسها، وهي السيدة المتزوجة والأم التي تجاهد للحفاظ على بيتها وأسرتها رغم عواصف الحب الهوجاء.

ومن الجميل ان قصتهما المعذَّبة، التي مزّقت روحها إلى نصفين متعارضين، (أسرتها أوحب حياتها)، فأتت إلينا بقالب أدبي غني لايخلو من التشويق والمغامرة، فألبست العاشق "تشيخوف" لبوس المعلم الأدبي الواعظ، وهي لبست لباس الأديبة المتمرنة لتغطّي عشقها المتمرّد، وبحسب مقدمة المترجم، تؤكد الكاتبة في مقدمتها لهذا الكتاب التي لم تنشر بالنسخة النهائية، بل أبقتها لدى عائلتها، أنه " ليس في قصة حبي هذه، كلمة واحدة من بنات خيالي وكنت طوال مدة كتابتها مقيّدة بالخوف من أن أنساق لخيالي، لحلمي، فأشوه الحقيقة"، إلا ان شقيقة تشيخوف "وجدت في هذه المذكرات عناصر إبداعيه أدبية، مقصودة أو غير مقصودة، لا تطابق الواقع".
والسؤال هنا لماذا أغفلت الكاتبة هذا التأكيد ولم تنشره في مقدمتها للكتاب الذي نُشر في عام 1940 وحتى في الطبعة الأولى سنة 1904، رغم وفاة تشيخوف قبل ذلك بمرض السل؟. أما الكاتب ايفان بونين الحائز على جائزة نوبل سنة 1933، فقال في شهادة مُسجلة سنة 1917: "سيكون على كتاب سيرة تشيخوف، التعامل بجدية مع مذكرات أفيلوفا".
في حين يشير المترجم إلى أن هذه النسخة المترجمة "هي النسخة الكاملة من المذكرات التي كتبتها ليديا أفيلوفا في السنوات الأخيرة من عمرها ونشرت للمرة الأولى سنة 1947. وللأمانة، هذه المعلومات الغنية أوردها المترجم في مقدمته للكتاب. تشيخوف، الأديب، المعلّم. وإذا تعذّر علينا معرفة تشيخوف العاشق أو تلمّس ملامحه من خلال المذكرات، إلا أن تشيخوف المعلّم حاضر وبقوة في القصة وتكاد أن تكون أغلبية الرسائل ضمن هذه الإطار، فهي أقرب إلى نصائح للأدباء الشباب وليس للكاتبة فقط، "فالموهبة تحل محل الروح.
وكلما ازداد الكاتب بروداً ازدادت القصة حساسية وتأثيراً" ثم تأتي النصائح تباعاً، "لا تحسنين الاقتصاد، فيظهر ذلك للعين بين وقت وآخر، هناك قصة من قصصك تختفي كلياً تحت ركام تفاصيل المناظر التي تلقي بثقلها من بدايتها وحتى وسطها، ثم أنك لا تشتغلين على الجملة التي يجب ان تُصنع صنعاً، ذلك هو الفن" "اكتبي رواية مدة عام كامل، ثم اختصريها مدة ستة أشهر، وبعد ذلك انشريها، ليس على الكاتبة أن تكتب وإنما أن تطرّز الورقة بحيث يكون العمل شديد الدقّة والبطء" "إن الكاتب ليس عصفوراً يزقزق، ومن قال أنني أريده أن يزقزق؟ إذا كنت أعيش وأفكر وأكافح وأتألم فإن كل ذلك سينعكس على ما أكتبه... سأصف لكم الحياة بصدق وبفنيّة وسترون ما لم تروه أو تلاحظوه من قبل، سترون خروجها على القاعدة، تناقضاتها".
أخيراً لابد من القول إن هذا الكتاب يتضمن كوكتيلاً غنيّاً يستحق القراءة فهو يجمع بين الرسائل الحقيقية والتفاصيل الواقعية التي لا ينقصها الخيال قدمته لنا الكاتبة بقالب قصصي ربما يكون لها براءة اختراعه، في حين تجاربنا العربية في هذا الإطار، اقتصرت على نشر الرسائل في كتاب، كما فعلت غادة السمان مع رسائل غسان كنفاني وأنسي الحاج، ولا يمكن أن ننسى أيضاً، كتاب الشعلة الزرقاء الذي تضمن رسائل جبران خليل جبران إلى مي زيادة.