القَهوة... أمسٌ وغدٌ وعبق
"الامتحانات على الأبواب، هذا ليس وقت أيّ كتبٍ أخرى! اتركيها وركزّي في دروسكِ!" قالت أمّي وأغلقت الباب ثانية.
ثمة أمور ترتبط بتاريخ حضارةٍ ننتمي إليها، فيسعدنا ويمتِعنا البحث في ثناياها وخفاياها وكشف أسرارها. وأمور أخرى وثيقة الصلة بتاريخنا الشخصي، يغدو تذكرها أشبه بفتح صندوقٍ من كنوز ثمينة أو كتاب لها أبجدية تُقرأ بالروح ويجري تلقّفها بالقلب. فكيف إن اجتمع التاريخ الشخصي والإرث الحضاري في موضوع واحد؟! كالقهوة مثلا!
لن أنسى ما حييت ذلك اليوم الذي حمل أجمل المصادفات وأغلاها على قلبي. كنت في الرابعة عشرة، طالبةٌ في الصف الثالث الإعدادي أحضّر لامتحانات الشهادة الإعدادية التي يسبقها شهرٌ من العطلة للدراسة والتحضير، يسمى اصطلاحا شهر المراجعة، وعادةً يكون الرّبيع هو الفصل المصادف لفصل الدراسة. رغم أن والدتي لا تستقبل الضيوف في شهر المراجعة، لكن اليوم حمل لنا ضيفة استثنائية، صديقة أمي منذ الطفولة، من مدينة القامشلي الجميلة، قطعت مسافة طويلة من أجل جلسة مع أمي وقد أحضرت كعك الكليجة، رفيق القهوة، الذي صنعته بيديها لأجلنا، وهو الكعك اللذيذ الذي تشتهر به مدينة القامشلي السوريّة. بعد أن سلّمت على الضيفةِ اللطيفة جدًا، عدتُّ إلى غرفتي لأتابعَ دروسي، وبيدي صحن فيه قطعتان من الكليجة التي تجعلك نكهة القرفة واليانسون والشمرة فيها تعيد الكرّة مرّات. تسلّل عبق القهوة إلى غرفتي، تناولت القطعة الأولى محاولةً تجاهل أمنيتي بأن يرافق فنجانٌ من القهوةِ كعكتي، ومحاولةً، عبثا، تجاهل رغبتي البعيدة إذ إنّ القهوةَ حكرٌ على الراشدين، وكأنّه العشق الممنوع الذي أتحيّن الفرصَ كلّها كي أجعله مشروعًا لي دونما انتظار لتمر السنون وأصبح من ضمن الكبار الذين تقدم لهم القهوة في فنجان مستقل بكامل الأريحية ليستمتعوا بها كامل المتعة.
كأي طالب شهادة، أصابه السّأم من دروسه اليوميّة المكرّرة، هربتُ إلى أقرب كتابٍ على رفوف المكتبة أمامي، وقررت أن أقرأ أول ما تقع عليه عيناي دون تحديد أو نيّة مسبقة. وكانت المفاجأة فالكتاب الذي اخترته عشوائيا، كان موسوعة الحضارات السّورية، والصفحة التي فتحتها أصابعي دون قصديّة كانت عن الأصل السرياني والعمّوري لفنجان القهوة! يا لتلك المصادفة اللافتة! قررت أن أقرأ حتى النهاية بينما عبق قهوة أمّي وصديقتها يصر على مشاكستي ومناكفتي. فهاهو يلاحقني كمراهقٍ مشاغبٍ كلما تجاهلته، سبقني ووقف في طريقي. ركّزت فيما أقرأ:
"" تشير الأبحاث التاريخية التي تناولت الرقم الفخارية السورية القديمة إلى أن أول فنجان قهوة في العالم هو الفنجان العمّوري الذي يعود إلى عام 1800 قبل الميلاد .والعموريون أو الأموريون أو العمورو وباللغة السومرية المارتو، هم أكبر الشعوب القديمة وأوسعها جغرافيةً على مدى ما يقرب من ألفي عام، وهم أحد أقدم الشعوب الرافدينية التي أسست مع السومريين والأكاديين حضارة العراق المبكرة.""
يا إلهي! شعرت بفخر كبير. واصلتُ القراءة. الموسوعة غنيّة بصور الرقم الفخاريّة التي تشير إلى أن القهوة سورية الأصل والعموريون هم أقدم حضارة سوريّة والفنجان العموري هو أقدم فنجان قهوة في العالم. بعض المصادر الأخرى تقول إن أصل القهوة سرياني. أصابتني نشوة الفخر بانتمائي لحضارة عريقة أولا وبأن الحديث عن القهوة التي أعشق، ثانيًا.
قطعة الكليجة الثانية تنتظر في الصحن، لكنّي لا أريد التهامها الآن فعيناي مشغولةٌ بالتهام ما في الموسوعة من معلومات وصور جذّابة مرافقة. خطفت بصري صورةٌ للوحةٍ فخاريّةٍ لملكة عمّورية تتربع على عرشها، وبجانبها تقف وصيفتها، كما تبدو، وبيدها فنجان قهوة تقدمه للملكة. صورة أخرى للملكة تحتسي فنجانها والوصيفة كأنّما تترقب بحذرٍ شديد أن تفرغ ملكتها وتخبرها رأيها بالقهوة التي صنعتها لها. على طاولتي فنجان صغير فيه ياسمينة شامية، أمسكت به رفعت الياسمينة وضعتها فوق كتابٍ من كتبي المدرسيّة، أمسكت بالفنجان بحميميّة بالغة، وتصرفت وكأنني أحتسي قهوتي، أجلستُ ظهري كما لو كنت على العرش، ببساطة تقمصتُ الملكة العموريّة. وحينها حدث ما يشبه السحر، إذ اختلط عبق قهوة أمي بصور الموسوعة، فشعرت وكأنني أحتسيها فعلا وأن ذلك الفنجان العادي الفارغ، إلا من خيالاتي، استحال فنجانًا ملكيًّا مذهبًا مليئا بالقهوةِ اللذيذةِ المنعشة. أغمضتُ عينيَّ، فقفز بي الخيال عشرين سنة إلى الأمام وقرون طويلة إلى الوراء. لم أعد طالبة الإعدادية ذات الأعوام الأربعة عشر، بل إنني الأن ملكة سوريّة قديمة في الرابعة والثلاثين ربما، تقف وصيفتي أمامي مترقبة حكمي حول القهوة التي أعدتها لي. بعد ثوان، فتحت عينيّ أمسكتُ بالموسوعة مجددًا، تأملت معلومةً أخرى حول أصل كلمة فنجان:
""والفنجان: كلمة تتكون من مقطعين: فن والجان. أي الفنون المتعلقة بعمل العرافة المتنبئة، ومن هنا أتت طقوس قراءة الفنجان للكشف عما يخبئه الغيب لصاحب الفنجان. والفنجان من طقوس معبد الإله حدد""
عدتُ إلى الفنجان، بل إلى مسرحي المتكامل، الآن لست الملكة، بل إنني البصارة التي تتقن فن قراءة الغيب ويهابها صاحب الفنجان، وفي الآن ذاته، أنا الطالبة القلقة على نتائجها الدراسيّة، فصرت أقرأ غيبي، وأبصّر لي، وأترقب باضطراب ما سأُخبرني:
"ستنجحين يا ابنتي! وستحصلين على علامات ممتازة! لكن! فقط إن ركزتِ في دروسك جيّدا" قلتُ لي
وأجبتُني: "لكنني أركّز جيّدا والله"
"إذن لا تهدري وقتك في أمورٍ تأجيلها ممكنٌ إلى مابعد الامتحانات عل الأقل" قلتُ
"أمور تأجيلها ممكن؟ مثل ماذا؟" سألتُني
"مثل تصفح الموسوعات قبل الامتحانات" غمزت لي
ضحكتُ معي ولي، وعلى نغم قهقهتنا، أنا وأنا، الطالبة صاحبة الفنجان الخياليّ والبصّارة العرّافة عالمة الغيب، دخلت والدتي:" والله هذه البنت مجنونة" قالتها بابتسامة واستغراب. وكانت المفاجأة الصادمة في أثرها المفرح: بيد أمي فنجان من القهوة: "ما رأيك بفنجان قهوة ربما يساعدك الكافيين فيه على التركيز أكثر" قالت وخرجت من الغرفة قبل أن أجيبها.
بقيت لثوانٍ فاغرةً فيهي وموجةٌ من الغبطة تجتاحني، ربّاه! فنجان قهوة لي، على طاولتي؟! لهذا معانٍ كثيرة! هذا يعني أنني لست طفلة، يعني أنني كبرت، أو أن القهوة لم تعد حكرًا على الكبار، وأن المعجزة تحققت وأن عشقي الممنوع لم يعد ممنوعًا، وغدا من حقّي.
أمسكت الفنجان وأصابعي ترتجف كمن يمسك بيد محبوبه للمرة الأولى، يا لرهبة الجدّة وهول الفرح الجليل، يا للذّة الممنوع المُباح. رحتُ ألاحق بنظري البخارَ المتصاعدَ من الفنجان بينما أقرّب أنفي منه وأتنشّقه على مهل. اكتملت اللحظات مشهديّةً مع صوت المطر الخفيف الذي أعلن بدايته على نافذتي، هذا ما حلمت به: رذاذ بارد بالخارج، وشرابٌ دافئ هنا. يا له من يوم!
أمّي بالخارج تلمّ الغسيل عن الحبال بمساعدة صديقة طفولتها، ناديتها: "ماما القهوة لذيذة جدا شكرا لكِ، قولي للخالة أن للقهوة أصلٌ سريانيّ والسريان أغلبهم في القامشلي اليوم" مدت صديقتها رأسها من النافذة وقالت مبتسمةً: "صحيح حبيبتي صحيح"
ازدادت قطرات المطر غزارةً وأمّي تردّد بفرح مثلاً شعبيًا عن مطر الربيع: "مطر نيسان يحيي الإنسان"
واليوم أكتب كلمات ويحضرني محمود درويش:
القهوة لا تشرب على عجل
القهوةٌ أخت الوقت تُحْتَسى على مهل
القهوة صوت المذاق،
صوت الرائحة،
القهوة تأمّل وتغلغل في النفس وفي الذكريات.
د. هلا أحمد علي
مجلة تراث- الإمارات