كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من المشيئة الثقافية إلى التشيؤ الثقافي: المثقف حين يعمل في السياسة

يحيى زيدو-خاص- فينكس

منذ أن أطلق المحافظون الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية نظرية "الفوضى الخلاقة"، و تحوَّل الشرق الأوسط إلى "الشرخ الأوسخ"، أصابت عملية التحول هذه الكثير من المفاهيم و المصطلحات التي كنا نعتقد أنها بسيطة، واضحة، و مفهومة. حيث أسهمت الميديا، مدفوعة الأجر، في تكريس وترسيخ مضامين ودلالات نقيضة للمعنى المتعارف عليه.

من هذه المصطلحات، مصطلح "الناشط " السياسي أو الحقوقي أو الإعلامي، الذي يطلقه الغرب، و الميديا المرتبطة به على كل جواسيس السفارات، و أولئك الذين يتلقون تمويلاً من الخارج للقيام بأنشطة ضد حكومات أو أحزاب لا يرضى عنها الغرب، أو ضد مجتمعات يراد إحداث تغيير فيها لخدمة مخططات مسبقة الصنع.

منذ أيام قُتِلَ "ناشط سياسي" لبناني، لم يُعرَف عنه سوى أنه من "صبيان" السفارة الأمريكية، وأنه أسس جمعية "هيّا بنا - let's go" بتمويل من السفارة الأمريكية، التي أبدت في وثائق مسربة، إعجابها بسرعة و اندفاع المقتول في التواصل مع الإسرائيليين.

في المبدأ، فإن الاغتيال السياسي مرفوض مهما بلغت درجة الخصومة السياسية.

و في المبدأ أيضاً يمكن الاختلاف وحتى الخصومة مع الحركات الدينية، وبشكل خاص حركات الإسلام السياسي بنسختيه السُنِّية و الشيعيَّة، لكن ذلك لا يعني تحميل هذه الحركات لوحدها مسؤولية ما آلت إليه أوضاع المجتمعات العربية.

قد نستطيع أن نفهم تفجُّع سياسيين لبنانيين أمثال: سمير جعجع، و وليد جنبلاط، و سعد الحريري وباقي جوقة 14 الشهر في لبنان. و نعلم بأن هذا التفجع ليس حزناً على الراحل بقدر ما هو مناسبة للاستثمار السياسي في الدم، والتحريض على تيار سياسي آخر من خلال إلصاق تهمة القتل به.

ربما نستطيع أن نفهم كتابات حازم صاغية، وحازم الأمين، و نديم قطيش و أشباههم من إعلاميي 14 الشهر، لأن دورهم هو تكريس الاتهام، وإقناع الرأي العام بذلك. ولأننا بتنا على ثقة بأن الرسائل القصيرة S. M. S التي تصل من السفارات هي التي تأمر هؤلاء بقول ما يقولون كتابةً أو مشافهةً (أو قل مسافهةً).

لكننا لا نستطيع أن نفهم موقف مفكر ليس لبنانياً، وليس له علاقة بما يجري في لبنان، يقوم بترديد ما يقوله صاغية، والأمين، و قطيش و أمثالهم، سوى أن هذا" المفكر " يتلقى رسائل قصيرة من الجهة نفسها التي ترسل تعليماتها لهؤلاء.

المفكر المغربي "سعيد ناشيد"، وبعد أن يساوي القتيل بمفكرين كبار أمثال "كامل مروة"، و "مهدي عامل" يقرر أن الاغتيال نفذته جهة سياسية لبنانية ذات صبغة طائفية محددة، من دون أن يكلف نفسه عناء انتظار إجراء أي تحقيق رسمي يوجه التهمة لهذه الجهة أو تلك، أو لهذا الشخص أو ذاك. مع أن أي مقارنة للقتيل بـ "مروة" أو "مهدي عامل"، أو حتى "جبران تويني" أو "سمير قصير" سيكون فيها الكثير من الظلم لهؤلاء، سواء اتفقنا أو اختلفنا معهم.

عرفتُ "سعيد ناشيد" من خلال كتابه الممتع "التداوي بالفلسفة"، ثم قرأت له ما توفر لي من أعماله الأخرى، قبل أن نصبح أصدقاء افتراضيين في العالم الأزرق. و أُعجِبتُ بطريقته في مقاربة القضايا الفكرية، بقدر ما اختلفت معه في مواقفه السياسية بدءاً من موقفه من الأزمة السورية، مروراً بموقفه المتشدد الذي يتبنى فيه موقف النظام المغربي من قضية الصحراء الغربية، وصولاً إلى موقفه من مقتل الناشط اللبناني مؤخراً، وكأنه أحد أعضاء جوقة 14 الشهر في بيروت.

كنت سأحترم "ناشيد" لو أنه اكتفى بإدانة الاغتيال، فهذا موقف ثقافي أخلاقي، أما القيام بتوجيه الاتهام على طريقة "جنبلاط" و "جعجع"، فهذا موقف سياسي فيه الكثير من التعسف، والاستهتار بالعقل، وكأنه يريد أن يبرهن، دون أن يقصد ذلك، بأن المثقفين هم أسوأ السياسيين.

لقد خبرنا في سورية طوال السنوات العشر الماضية نماذج من هؤلاء "المثقفين" الذين دخلوا السياسة من بوابة الأزمة السورية من أمثال: "أحمد برقاوي، صادق جلال العظم، برهان غليون، طيب تيزيني، عبد الباسط سيدا، سمير التقي، جورج صبرا، ميشال كيلو.."، و لا ننسى "عزمي بشارة"، و آخرين غيرهم ممن كنا نعتقد أنهم مثقفون، مؤمنون بالتنوير، وأنَّ مواقفهم تصدر من موقع المثقف ذي المشيئة، حتى حدثت الأزمة التي أظهرت تشيؤهم لا مشيئتهم.

لم يتوقع أحد أن يكون هؤلاء مؤيدين للنظام، لكن لم يكن أمن المتوقع أن يقوم هؤلاء بتبرير كل أعمال القتل والإرهاب، و يدافعوا عنها، وأن يصفوا القتلة بأنهم "ثوار" أو "مناضلون من أجل الحرية".

إن انتقال المثقف من حقل الثقافة إلى وحل السياسة، يعني انتقاله من نطاق "المشيئة" إلى نطاق " التشيؤ"، لأنه إذ ذاك يدير ظهره للمبدأ و القيمة والكلي و الجوهري والمطلق، من أجل الانخراط في اليومي والراهن والمُبتذل والمتبدِّل تبعاً للمصالح لا للمبادئ، وهنا يكون مقتل المثقف والثقافة معاً.

إن السياسة يمكن أن تجعل من المثقف سلعة في سوق النخاسة السياسية، يتم فيها تسليعه وتسعيره وبيع وشراء ضميره وفق احتياجات ومصالح النخاس السياسي الذي يشتريه أو يموله.

و بالطبع فإن المثقف الذي يغطي على الفساد، و سوء الإدارة، و يقوم بالتعمية السياسية على الناس لا يختلف عن ذاك الذي باع نفسه بثمن بخس، الاختلاف هنا يكون فقط في الجهة التي اشترت عقل وضمير المثقف.

صبي السفارة الأمريكية، الناشط اللبناني قُتِلَ منذ أيام، والمثقف العربي مقتول منذ عقود.. منذ أن ارتضى لنفسه أن يكون بوقاً لحكومة أو عدوا لها من موقع السياسة لا من موقع الثقافة.

ربما يصح هنا أن نتذكر مثقفاً عربياً مثل "أحمد لطفي السيد" الذي عرض عليه الضباط الأحرار أن يكون أول رئيس لمصر بعد الثورة، لكنه رفض أن يكون رئيساً، مفضلاً عمله الثقافي على أي منصب سياسي.

فكم من المثقفين العرب اليوم قادر على رفض منصب سياسي، أو حتى وظيفةٍ متوسطة الدرجة في مؤسسة حكومية مقابل غفوة من ضميره؟!

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية