كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

اكتمال القمر.. ليلة "هوَّ صحيح"

عماد الدين إبراهيم- خاص- فينكس:

تناهى إلى سمعي صوت أم كلثوم و هي تغني "هوَّ صحيح الهوى غلَّاب" الوقتُ ليلٌ في أواخر شهر كانون الثاني، القمرُ مكتملٌ تماماً، غيوم بيضاء تتهادى في صفحة السماء الفضية، لكن البرودة شديدة ، عادةً مثلُ هذا الطقس ينبئ بحدوث الصقيع و جمودة المياه ، نسماتٌ باردة قادمة من الجبال المكللة بالثلج تهز غصون الأشجار ، و أنا في وحدتي أتأمَّل سكون الليل من نافذتي بعد أن قُطعت الكهرباء و عمَّ الظلام، و غابت كل مظاهر الحياة الحديثة و التقنية، التلفزيونات انطفأت ، الموبايلات و وسائل تواصلها الاجتماعي الزائف توقفت ، فعدتُ إلى صديقي المذياع أقلِّبُ في موجات أثيره الذي حمل إليَّ صوت أم كلثوم ليعيدني عشرات السنين إلى الوراء.

" هوَّ صحيح الهوى غلَّاب ... ما اعرفش أنا .. و الهجر قالوا مَرَار و عذاب و اليوم بِسَنه " ياللكلام المؤثِّر ، و اللحن الذي يسافر بالروح إلى أمداء الكون ، و الصوت الذي يتغلغل في كل الكائنات من حولي ، يتسلق الجدران ، يطرق النوافذ ، يتسلل إلى كل المنازل ، ينبض في قلوب ساكنيها ، يحاول إعادتهم سنوات و عقوداً إلى الوراء ، هكذا شعرت .. أو توهمت .. أو تخيلت.

عادت بي الذاكرة إلى الفترة التي سمعت بها هذه الأغنية لأول مرة ، كان عمري حوالي أربعة عشر عاماً ، كنت أتابع الإذاعات و أهتم كثيراً بما تبث من برامج و أغانٍ ، أذكر في كل مساء و عند الساعة السادسة و النصف ، كنت أستمع لأم كلثوم . لقد حفظت الأغنية و ترنمت بها كثيراً ، رددتها بيني و بين نفسي ، لا بل كنت أحيانا أهيم على وجهي في الحقول و الوديان المجاورة لمنزلنا و أنا أغنيها ، أخاطب حبيبة مجهولة لا توجد إلا في خيالي الرومانسي الحالم ، أتساءل الآن : تُرى هل كان لهذه الأغنية و غيرها من أغاني الحب دورٌ في رسم عواطفنا و نظرتنا للمرأة و الحب ؟ للفراق و الألم ؟ للبكاء و النحيب ؟ نحن جيلَ الزمن البطيء الغارق في ذكريات الماضي ؟!

" يا قلبي آه .. الحب و راه أشجان و ألم " أم كلثوم تتأوه بصوتها ، و أنا أستحضر في ذاكرتي حوادث الحب التي وقعت بها خلال حياتي ، أستعيدها بكل تفاصيلها ، أذكر أول حب شعرت به و كان عمري حوالي عشر سنوات ، كنت في الصف الثالث الابتدائي ، أحببت أخت زميلي في الصف ، كانت تكبرني بعامين ، كنت أختلس النظر إليها يدفعني شعور بالانجذاب نحوها ، و لكن بصمت ، نظرات فقط و لم نتبادل أي حديث مطلقاً ، و أغلب الظن أنها لم تشعر أبداً بعواطفي تجاهها ، مرت السنوات ، و انطوت صفحة ذاك الشعور الوهمي بالحب .لا يتوفر وصف.

" نظرة و كنت أحسِبها سلام و تمرِّ قوام ، أتاري فيها وعود و عهود و صدود و آلام " نعم كان الحب عندي من النظرة الأولى ، هكذا ! لماذا ؟ لا أعرف ، و الآن لا أعرف إذا ما كان ذلك الشعور حباً أم أنه وهم بالحب و بالحاجة إلى الحب ، أو كما يقولون : أنت لا تحبُّ و لكنك تحبُّ أن تعيشَ حالةَ الحب .

مرت السنوات و تكررت حالات الحب و الانجذاب تجاه أنثى ، تجمعنا الدراسة أو الجيرة أو مناسبة ما ، آخر حالة حب عشتها كانت عجيبة وغريبة لا تُصدق ، أنا الآن بعد مضي أكثر من عشر سنوات عليها أستغرب كيف وقعت في ذاك الحب العاصف و المجنون ، كان عمري اثنين و أربعين عاماً ، وقعت بحب امرأة التقيت بها و لمدة ساعة ، ساعة واحدة كانت كافية لهز كياني و عاطفتي و جنوني ، التقينا في حفلِ افتتاحِ مؤتمرٍ عالميٍّ كنت سافرت للمشاركة فيه ، هي من بلد و أنا من بلد و لكن شرارة الحب تقتحم كل الحواجز و تجعلها هباء ، بقينا نتواصل على شهوراً ، نتبادل الحب عن بعد ، نتبادل الألم و الشكوى ، و حين انجلت الأمور واضحة ، و بات سفري إليها مُحالاً خبت جذوة الحب و ناره ، و بقي التواصل بيننا كأصدقاء و كمحبين قدامى .

أم كلثوم تترنم بكلام الأغنية ، تعيده و تردده ، تتأوَّه و تتشكَّى من الحب و الألم ، الآهات تتصعَّد من فؤادها ، و أنا أعيش حالة اختطافٍ روحاني ، أنا الآن قلبٌ خالٍ قلبٌ ميت ، من مفارقات الحياة الكثيرة أن دروبها و مسالكها لا تأتي كما نشتهي ، هكذا هي الحياة " ابنة الإبرة " كما وصفها الروائي حنا مينه مراراً في رواياته .

" أندم و أتوب و عنِ المكتوب ما يفيد شي ندم .. يا قلبي آه " ما فائدة الندم ؟ أشعر الآن أن عمري مرَّ هكذا دون أن أحياه ، و أتساءل بمرارة كيف مرت سنواته ؟ كيف لم أشعر بها ؟ كيف هرب العمر دون أن نشعر به ، يبدو هذا شعوراً مشتركاً عند جميع الناس ، في إحدى الأمسيات سمعت الفنان سمير صبري و هو المشهور ممثلاً و مذيعاً ، و عاش حياته طولاً و عرضاً كما يقال ، يبوح لمفيد فوزي في برنامجه " مفاتيح " و يقول و قد قاربَ الثمانين من عمره : " لا أشعر أنني عشت ، كيف مضى العمر ؟ لا أعرف .. أشعر أحياناً أنني ما زلت شاباً، و لكن حين أنظر في المرآة و أرى وجهي ، أرى تجاعيده ... أتذكر أنني في أواخر العمر ، لقد مرت حياتنا هكذا دون أن نشعر بها " ، إذا كان هو الفنان المشهور يقول هذا الكلام فماذا نقول أنا .. أنا البائس الفقير و الوحيد في هذا الليل الموحش و البارد ، و قد اكتمل قمره .

تتابع أم كلثوم تفجُّعها و آهاتها ، و أرحل أنا في ذكريات الماضي و قد أسكرتني الأغنية ، أحيت عواطفي ، و أماتت إحساسَ الزمن عندي ، تُرى كيف كان شعور بيرم التونسي حين كتب هذه الكلمات ؟ و أيُّ لهبٍ إلهيٍّ قدسيٍّ انتاب زكريا أحمد حين وضع لحنَها ؟ هذا اللحن القاتل لكل مشاعر الحقد و الكراهية ، الذي يجعل الإنسان ملاكاً نقياً مطهَّراً من كل دنس ، أيُّ عشقٍ صوفيٍّ نبع منه هذا الكلام و هذا اللحن ؟ أيُّ نهايةٍ ختم بها الشاعر و الملحن حياته ؟ فقد مات بيرم ( 5/1/1961 ) بعد خمسةٍ و ثلاثين يوماً من غنائها لأول مرة ( 1/12/1960 ) ، و لم يمر أربعون يوماً على رحيله حتى لحق به زكريا ( 14/2/1961 ) ، و كأنَّ هذه الأغنية استنفدت منهما طاقتهما على الحياة .

كانت هذه الخواطر تغمرني ، تحثني على محاولة استعادة الزمن و لكن .. هيهات .. هيهات . شعرت بحزن العالم يملأ قلبي ، و بدمعتين معلتقتين على جفنيَّ ، فأنا لست إلهاً كي أُرجِعَ الزمن ، أنا كائنٌ بشريٌّ ضعيفٌ يردِّد بينه و بين نفسه: " هوَّا صحيح الهوا غلاب ... ما اعرف شي أنا " . 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية