كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

محمد حسين عن لوسي بارتون

خاص- فينكس:

اسمي لوسي بارتون..

أميركا كما هي لا كما نتخيلها

في تسعينيات القرن الفائت وفي أحد أعداد مجلة الكرمل قرأت قصيدة "عواء" للشاعر الأميركي آلان غينسبرغ. أتذكر الآن تلك المشاعر التي رافقتني حين انتهيت من قراءتها لتشكل علامة فارقة في حياتي الأدبية؛ فقد استطاع هذا الشاعر الأميركي (الإمبريالي) المجهول بالنسبة إليّ حتى ذلك الوقت، وبقصيدة واحدة، أن يمزق (الطرموشة) الإيديولوجية التي حجبت عنا ذلك الأدب الأميركي الرفيع الذي يستحق أن يترجم ويقرأ بعيدا عن الأدب اللاإمبريالي الصديق الذي توقفت حدوده الإبداعية عند بدايات القرن العشرين وأصبحنا نجترّه ونتفاخر باقتناء كتبه كأنها الدرر الثمينة، وكأن العالم توقف إبداعيا عند هذا الحد، وليس لدى شعوبه الأخرى ما يمكن أن تتفاخر به إبداعيا، ولذلك لم يكلف أحدٌ نفسه عناء ترجمة آداب تلك الشعوب خوفاً من التهم الجاهزة بالعمالة للغرب؛ وكلنا يتذكر التهم التي طاولتْ الشاعر أدونيس حين نال جائزة الشعر الدولية في بداية سبعينيات القرن الفائت التي تبيّن للجهابذة المؤدلجين (المطرمشين) أنها (أميركية حقيرة)، ولكي لا أطيل أكثر، ولأن الأشياء بالأشياء تذكر، أستعيدُ الآن تلك المشاعر التي رافقتني حين قرأت قصيدة "عواء" بينما أقرأ رواية إليزابيت ستراوت "اسمي لوسي بارتون"، من ترجمة الكاتب أحمد م. أحمد، والصادرة حديثاً عن دار فواصل في اللاذقية.

اسمي لوسي بارتون

ولأن العناوين عتبات النصوص، يأتي عنوانها كدعوة للتعارف والمعرفة للاقتراب من الآخر مهما تنوعت ثقافته وأعراقه، وكصورة طبق الأصل عن متن الرواية البسيط والواضح وفي الوقت نفسه عميق ويحتمل التأويل. ولأن الاسم يسبق المعنى تصبح الرواية رحلة في تتبع مسار الحكاية وتصبح مهمة القارئ أسلس في الكشف واكتناه ما وراء السطور وما بينها. تبدو الحكاية في الرواية بسيطة: أم وابنتها الراقدة في المستشفى تتناوبان على سرد ذكرياتهما، والتي ربما تشكل في مجملها حكاية أميركا المريضة بحلوها ومرها، كما سيتبين للقارئ. الزمن ثمانينيات القرن الفائت وأما المكان فهو غرفة في مستشفى نيويوركيٍّ يطل شباكها على مبنى كرايسلر الشهير.

"مضت والدتي تحكي لي قصصا عن أشخاص عرفتهم منذ سنوات. تحدثت بطريقة أعهدها كأن مخزوناً ضاغطاً من المشاعر والكلمات والمواقف تراكم في داخلها على مدى سنوات".أ لوسي بارتون

هكذا تبدأ الرواية في رحلة الكشف الممتع في خبايا المجتمع الأميركي وصولاً إلى القاع حيث القذارة والفقر والجوع وربما "الانتباذ"؛ هناك عاشت عائلة لوسي وسطَ بلدة ريفية منهَكة ومنعزلة في ولاية إيلينوي، وانتهى بها المطاف للسكن في مرآب في مزرعة ذُرة قبل أن تنتقل العائلة إلى منزل قريبهم الذي مات "حيث لا مصدر للجمال يمكن أن تركن إليه العين" كما تقول لوسي التي رغبت في أن تكتب كتاباً وهي في الصف الثالث بعد أن قرأت قصة من مكتبة المدرسة ثم جذبتها القراءة وتفوقت في دراستها ودخلت جامعة على أطراف شيكاغو وهناك تعرفت إلى زوجها وليم، البروفيسور المساعد الذي يدرّسها، وهو ابن سجين حرب ألماني أحبتْه وكانت الحياة تسير إلى الأمام لكن ظروف تعارفه مع عائلتها حالتْ دونها قصة قديمة عاشها والدها خلال الحرب العالمية حيث قام بقتل شابين ألمانيين أعزلين. وبدا العريس الوافد وليم له كشبيه لأحدهما، وكأنه جاء ليسخر منه هنا. حدثت القطيعة بينها وبين العائلة التي لم تحضر حفل زفافها ولم ترَ والدتها منذ ذلك الوقت إلا حين استيقظت في المشفى لتشاهدها تجلس على الكرسي بجانب سريرها.

تتناسل الحكايا وتتعدد الأسماء وكل له حكايته الموجعة إلى أن تلتقي لوسي بسيدة بالغة الأناقة في متجر فاخر للألبسة تدعى سارة باين ولا تلبث أن تكتشف أنها كاتبة فتقرر في تلك اللحظة وهي مأخوذة بها أن تكتب الرواية التي بين أيدينا.

هل نحن قطعة نفايات؟

في الثانية عشر من عمرها عرفت ما الذي فعله أسلافها البيض بالهنود ووقعت في غرام أستاذها الذي روى لهم بعض تفاصيل ما جرى "لم أكن أعرف أننا جردناهم من أرضهم بخدعة ولم أكن أعرف أن البيض قتلوا نساءهم في حقول الذرة، كم طيعة لغة البيض عندما يستطيعون أن يجعلوا الحق يبدو باطلا والباطل حقا، كما ستقرأ في مذكرات بلاك هوك لاحقا".

شخصيات جوانية

اللغة السرد

حتى إلفيس بريسلي كان له نصيبه من الحكاية فهو "الفتى المسكين ابن توبيلو، مسيسيبي، الذي أحبه الوضيعون وهو مجرد قطعة نفايات كبيرة وعتيقة، كما قال والدها.

- "إنه قطعة نفايات ميتة قلت."

- "بالتأكيد إنها المخدرات." قلتُ أخيراً. "كنا نفاية، ذلك ما كنّا تماما!!"

وحكايات موجعة أخرى عن نسوة يبعن أطفالهن من أجل المخدرات بالإضافة لمرض الإيدز الفتاك ولا يمكن أن نغفل عن المثليين وحضورها موكب فخرهم في نيويورك "تفرجنا على الرجال يمشون بنعالهم الأرجوانية العالية وشعرهم المستعار"، وهنا تأخذها الذاكرة إلى أيام المدرسة حين كانت العائلة لاتزال تسكن الكراج في ذلك الوقت، حين "كان أخي يمشي في الشارع منتعلاً حذاء ذا كعبين عاليين وحمالة ثديين فوق قميصه وعقد جواهر مزيفه وكانت الدموع تبلل وجهه إنه لوطي حقير ويجب أن يعرف العالم ذلك. هذا ما قاله أبي وهو يقود السيارة بمحاذاته."

لوسي لم ترَ والدتها إلا بعد تسع سنوات من زيارتها لها في المشفى حيث كانت ترقد على فراش الموت في مشفى بشيكاغو وما لبث والدها أن مات هو الآخر بعد سنة من وفاة زوجته.

شخصيات جوانية أم شكلانية؟

لا ملامح واضحة لشخصيات الرواية ولا يمكن تمييزها إلا بأسمائها، وكأن الكاتبة هنا تريد لنا أن نتخيل تلك الشخصيات على طريقتنا. ولا يمكن وصف تلك الشخصيات بالجوانية فقط لأنها بلا ملامح وصفات محددة بل يمكن وصفها بالشكلانية الهشة التي تشبه شخصيات رسوم فناني عصر الحداثة وما بعدها ورغم تنوعها وكثرتها إلا أنك تشعر أن لا شخصيه تشبه الأخرى وكأننا في لعبة (بازل) فكل قطعة تكمل الأخرى، وصولاً إلى المشهد الأخير بعد وضع قطعة البازل الأخيرة، وحينها تكون قد فرغتَ من قراءة الرواية.

تقشف السرد وغواية الحكاية

بلغة بسيطة غير متكلفة وبكلمات محدودة بعيدة عن الانزياحات والجزالات اللغوية، تأتي الرواية وكأنها من زمن عصر النهضة بكلاسيكياته المعهودة، الأمر الذي يعتبر إنجازاً يسجل للمترجم الذي استطاع أن ينقل لنا هذه الرواية بكل تلك الشفافية بحيث تنسى وأنت تقرؤها أنها مترجمة وتتساءل فيما إذا كانت مكتوبة أصلاً بالعربية أم لا!

تبدو الرواية ظاهريا وكأنها "دراما المكان الواحد"؛ غرفة في مشفى يطل شباكها على مبنى كرايسلر أو دودج، يعود زمنه إلى بداية القرن الماضي، في إشارة إلى صعود أميركا الاقتصادي الكبير وصولاً إلى تزعمها العالم الحر كما يوصف بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. وبقراءة بسيطة لهذا المشهد تبدو الرواية مصابة بلوثة الحنين بسبب الواقع المزري والفقر المدقع الذي يعيشه أغلب الأميركيين وتكتب عنه الكاتبة. ثم سرعان ما نكتشف أن توصيفنا للرواية بأنها "دراما المكان الواحد" توصيف ظالم، فالقصص والذكريات تنقلنا إلى أماكن متعددة، ولكلِّ حكاية زمانها ومكانها في السياق الروائي بحيث تشكل بمجموعها المشهد الأميركي المعاصر بأوجاعه وآلامه وخيباته وانكساراته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الرواية: اسمي لوسي بارتون

تأليف: إليزابيت ستراوت

ترجمة: أحمد م. أحمد

الطبعة الأولى. دار فواصل، اللاذقية

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية