كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

واسيني الأعرج في (نساء كازانوفا) بوحٌ بلا أفق

عماد الدين إبراهيم_-خاص فينكس

(الرواية هي الفن الذي يوفق بين شغف الإنسان الحديث بالحقائق، و حنينه الدائم للخيال، و يوفق ما بين غنى الحقيقة و جموح الخيال)  نجيب محفوظ .

رواية (نساء كازانوفا) للروائي الجزائري واسيني الأعرج ، تغرق القارئ في تفاصيل البوح النسائي المتمدد و المنفلش الذي يستحضر في لحظة البوح ما يهمُّ و ما لا يهمُّ، هو تداعيات اللحظة بكل ما تعنيه الكلمة ، و لكنَّ هناك خيطاً مشتركاً يجمع بوح تلك النسوة هو الألم و الحزن و المرارة من العيش مع كازانوفا رجل الأعمال الناجح المِزواج الشغوف باللذة و المتعة و جمع المال و تشبيك المصالح ، و الذي يرغب و هو على فراش المرض بين الغيبوبةِ و اليقظة، الموتِ و الحياة، يرغب بالاستماع إلى نسائه طالباً منهنَّ السماح و المغفرة عمَّا ارتكبه بحقهن مِن أخطاء، فهو متمددٌ في سريره، عاجزٌ عن التعبير إلا بعينيه و حركات أصابع يديه و رجليه، تحت مراقبةٍ دقيقةٍ لخادمه المخلص مسعود الذي يشرف و يدير طريقة جلوس النسوة أمامه، و يضبط المسافة بينه و بين الجالسة للبوح له بدقةٍ حتى لا تزعجَ سيده، أو تقومَ بأيِّ تصرفٍ يتجاوز نصائح و تعليمات الشيخ زكريا.

صرَّح المؤلف واسيني الأعرج في حوار تلفزيوني بأنه يعتبر الرواية ( مغامرة روائية ليس من الناحية الفنية و لكن من ناحية الأفكار، لأنها تضع نظاماً ينطبق على أغلب الدول العربية ، نظاماً مسَّه الفساد و دمَّره و أنقص من قيمته، حيث نجد شخصاً بين الموت و الحياة يحكم بلداً بأسره) (حوار تلفزيوني مع الأديب هزاع البراري – مؤسسة عبد الحميد شومان )، إذن هناك إسقاط سياسي لموضوع و بطل الروائية، و وضعية المرأة في عالمٍ شرقيٍّ و عربيٍّ - إسلاميٍّ – ذكوريٍّ ، بعيداً عن هذا الإسقاط السياسي و الاجتماعي ، فإنني توقفت عن قوله " مغامرة روائية " فهي حقا كذلك ـ كما أرى ـ من حيث انفلاش النص و تشظيه و ترهله كما قلت قبل قليل ، أي بالمعنى السلبي و ليس بالمعنى الايجابي للمغامرة ، رغم التجربة الغنية و الطويلة و المتميزة للكاتب، من حق أي كاتب أن يغامر و يجرب و يبتدع في الأساليب و الأفكار، قد يوفَّق أو لا يُوفَّق، و بالتالي من حق القارئ و الناقد أن يصدر حكماً نقدياً تقييمياً لهذا التجريب و هذه المغامرة.  

تتوالى نسوته الواحدة تلو الأخرى بدءاً من لالَّة كبيرة الزوجة الأولى، إلى مباركة، زينا ، ساراي، روكينا، للحديث إليه عما يشعرن تجاهه، بوحٌ نسائيٌّ يغلب عليه الحديث عن العلاقة الجنسية التي جمعتهن بهذا الرجل، و هذا أمرٌ مفاجئٌ، فالنساء عادةً يتكتمن بالحديث عن هذا الجانب من حياتهن، على عكس الرجال الذين يتباهون و يتفاخرون بعلاقاتهم النسائية المتعددة و الكثيرة، ربما تعمَّد الكاتب الخوض في هذا البوح الجنسي لِمَا يلقى هذا النوع من الكتابة من ترحيبٍ و مباركةٍ في النقد الغربي و فرصةٍ كبيرةٍ للترجمة عند دور النشر، فهم ما زالوا يروننا من منظار دار الحريم و ألف ليلة و ليلة و سوق الجواري و القِيان ، و يستلذون برؤية المرأة الشرقية المجلببة في الخارج و هي تتعرّى في الداخل – بيتاً أو نصاً -، أو انسجاماً مع رؤيته الثقافية و الإصلاحية للمجتمع، حيث ركز على الإسقاطات السياسية للرواية بأفكارها و أبطالها، و ربما للاثنين معاً.

 إذن هو بوحٌ غيرُ شهرزاديٍّ، فهنَّ لا يحكين الحكايات للتسلية و تمضية الوقت و قضاء الليل حتى الصباح، حيث يتوقفن عن الكلام المباح كما فعلت شهرزاد مع الملك شهريار، إنهن يعترفن بكل مرارة و ألم عن حياةٍ متعبةٍ مع هذا الرجل اللاهث وراء مصالحه و أمواله، و في وقت الفراغ يلهث للاستمتاع بالنساء، و من ثم يترك الواحدة ليلحق بأخرى جديدة.

في جانب البوح النسائي ، و هو الأساس الذي تقوم عليه الرواية بفصولها و صفحاتها التي تجاوزت خمسمائة صفحة ، تتقاطع رواية نساء كازانوفا مع روايات أخرى، فهي تذكرنا برواية (الملهمات) للروائية المغربية فاتحة مرشيد حيث نرى الزوجة تبوح لزوجها و هو في غيبوبته الأخيرة بعد تعرُّضه لحادث سيرٍ مميتٍ برفقة صديقته ، فتبدأ الزوجة بالاعتراف له بكلِّ مكنونات نفسها حوله و حول علاقاته النسائية و ملهِماته كما كان يقول ، الرواية تبدأ من السطر الأول بهذا البوح تقول الزوجة : " لا أعلم إن كنتَ تسمعني أم لا .. على وجهك سكينةُ مَن تعدَّى مرحلة القلق ، و استسلم لقدره مخلفاً ترفَ القلق لي .... ، كثيراً ما أتمنَّى أن تسمعني .. أن أتكلم ... أن أفرغ ذاتي – ص 7 " 

كما نتذكر رواية (حجر الصبر) للروائي الأفغاني رحيم عتيقي ، هنا أيضاً نرى الزوجة و هي تُفضي لزوجها المقعد و المشلول بفعلِ طلقٍ ناريٍّ جعله عاجزاً و هو المقاتل في صفوف طالبان ، تُفضي إليه بكل ما في نفسها تجاهه و تجاه المجتمع و الواقع ، أما هو فيتلقى بوحها بصمت العاجز عن الحركة و الكلام ، و لكنه حين يتمكن من الحركة يُسارع إلى بندقيته المعلقة على الجدار بجواره و يطلق النار عليها فيقتلها ، ناسياً كلَّ ما قدمته له من رعايةٍ و اهتمام أثناء مرضه و عجزه .

في هذه الروايات الثلاث نرى المرأة تمارس حريتها في البوح و الكلام مقابل زوجٍ عاجزٍ و مقعدٍ ، و في وضعٍ صحيٍّ صعبٍ ، فهو غير قادر على القيام بأي رد فعل ، يُصغي و يصغي و يصغي فقط ، باستثناء (حجر الصبر) حيث يكون القتلُ هو ردَّ فعل الرجل انتقاماً من زوجته و مما قالته .

من (أصابع لوليتا) إلى (نساء كازانوفا) نلحظ أن الروائي الجزائري يستثمر أدبياً و فنياً و تسويقياً في شهرة الاسم الوارد في العنوان ، حيث يساعده في تقديم عمله للقارئ ، مستفيداً من شهرة العمل الأدبي الأصلي ، و من دلالاته التخييلية في ذهن القارئ ، فهو أديب مشهور و معروف و بإمكانه الاستغناء عن هذه اللعبة الفنية في جذب و شدِّ القارئ . عن هذه النقطة يقول في الحوار المذكور سابقاً :

(وقع بين يدي كتاب " في ضيافة فولتير " الذي كتبه كازانوفا متحدثاً فيه عن علاقته بفولتير ، و استغربت عدم اطلاعي على هذا الكتاب ذي القيمة العظيمة ، لقد غيَّر نظرتي لكازانوفا ، فقد عرفناه من خلال صورته النسوية كزير نساء ، و لكن تعرفت إليه في الكتاب كرجل عاقل حين قال لفولتير : إذا أردت إصلاح المجتمع فعليك تغييرُ العلاقة بين المجتمع و المرأة ، و إصلاحُ المرأة من الداخل نزعُ العبودية عنها ، فكونت صورةً عن كازانوفا ليس فقط من الناحية النسوية بل كمصلحٍ أيضاص).  

  (نساء كازانوفا) لواسيني الأعرج رواية مستفيضة ، تخللها الكثير من الكلام و الاسترسال الذي كان عبئاً على السرد ، و كان بالإمكان الاستغناء عنه ، خاصة عندما يسهب في تفاصيل فرعية تؤدي به إلى موضوعٍ آخر بعيدٍ عن المتن الأساسي للرواية ، إنها رواياتٌ – فصولٌ عن النساء اللائي دخلنا في حياة كازانوفا ، فالرواية تفتح الباب على مصراعيه للبوح النسوي المجاني و الفائض و غير الفعّال حيث تتوالد الذكريات من الذكريات ، و الحكايات من الحكايات من باب التداعي المنفلش ، في هذا الوقت بالذات يحتدم موضوعُ تعيين خليفة يرأس إمبراطورية كازانوفا بين أبنائه ، وهي مهمة يتزعمها الابن الأكبر بحكم سِنه ، هناك يجري رسم مستقبل الإمبراطورية بهدوءٍ و صمتٍ ، مستفيداً من غطاءِ ثرثرةِ البوح النسائي ، الغارق في الماضي و الذكريات  ، و البعيد و المستبَعد عن التأثير في المستقبل .

 

نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية