كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

قريباً من القلب...

كتبت ليندا ابراهيم- فينكس:

عرفناه صاحب كلمة وموقف..
عرفناه قاصاً، روائياً، وشاعراً...
لكننا عرفناه قبل هذا، تضاعيف ذاك، إنساناً شفافاً أديباً مهندساً مبدعاً مفكراً بذلك السعي المحموم والتحيز المطلق لكل ما هو ثقافي ومثقف...
.......يخيل لي و للوهلة الأولى أن القارئ العارف بغسان ونوس، بكل ما ذكرت لا بد و أن يقع فريسة التصور المسبق لما سيقرأ ولمن سيقرأ، وعليه فإن ذاكرته ستهيئ له سلفاً هذا التصور، لكن حقيقة ما هو بين أيدينا اليوم "قريباً من القلب" يضعنا في مكان آخر مما نستطيع إطلاق الاسم عليه "صنفاً" من أصناف الكتابة وجنساً أدبياً مغايراً لما تعودناه من إنتاج غسان ونوس..
فالكاتب كتب القصة القصيرة والرواية والقصيدة الموزونة "التفعيلة" الحديثة وله باع في هذا المجال، كما كتب المقالة والدراسة الأدبية والخاطرة... فما الذي بين أيدينا اليوم؟ وما نستطيع أن نطلق عليه من نوع كتابة وكيف نوصِّفه وبأي إطار نؤطره ومن أي مفهوم نفهمه أو نحكم عليه..
يقول "أدونيس" في كتابه مقدمة للشعر العربي "يجب أن ننطلق من الإرث الماضي نقداً و تجاوزاً وصولاً إلى صهر جميع أنواع الأدب في جنس واحد نسميه الكتابة".. أقول هنا في وقفة تأمل ومراجعة لكل ما أنجزه غسان ونوس حتى الآن: إن ما جاء في "قريباً من القلب" هو صنف كتابة مغاير لكل ما كتب ونوس حتى الآن..
إذاً لم تكن مصادفة حينما أسمى الكتاب تحت تصنيف "كتابات" فما بين أيدينا نصوص نثرية تتراوح بين نصوص هي قصائد شعرية "قصيدة نثر" بامتياز، وبين ما نسميه أقوالاً أو خلاصة تجربة لم يرد أن يصبها في قالب شعري، وبين استرسال يقترب من الخاطرة، ينظم عقدَ كل ما ذكرتُ لغة عالية واضحة..
وفي حين كتبت هذه النصوص الشعرية بتقنية القصيدة النثرية الحديثة:
"الوجهُ الذي أطلَّ ذاتَ حصارٍ
ليسَ لنوافذهِ حُدود
الوجهُ الذي هلَّ ذاتَ أسىً لم يكن لسعادتهِ قرار
الوجهُ الذي أشرقَ ذاتَ عمرٍ
أسدلَ الستارَ على قلبي" ص 17
تكرار كلمة الوجه بتقنية ما خدمت الفكرة هي تقنية قصيدة النثر الحديثة، لا بل يذكرك النص كواحد من النصوص التي تترجم عن لغة ما.. "هل أقسَى؟! كلانا يمشي كلانا يحسُّ كلانا يأسَفُ هل أقسَى؟! كلانا ينتظر" ص19 إلا أنه لم يجهد نفسه و لم يتعمد – وكان باستطاعته- إخراج النصوص جميعها بالسوية نفسها بالتقنية نفسها لتغدو قصائد شعرية لكنه في ظني آثر كتابتها كما أتت و نشأت لحظة ولادتها في فكره فكتبها صريحة واضحة قريبة من القارئ و عقله و فكره و ثقافته في حين هو صاحب اللغة الباذخة و تقنية النص الغامض بامتياز سواء شعراً أم قصة ..
أهم ما يسم النصوص كونها حمَّالة حكمة و خلاصة تجربة وروية ووقفة تأملية واستشرافية في الحياة وتجاربها والإنسان وأغواره النفسية والروحية: "لو علمتُ ما أنا صائرٌ إليهِ ما كنتُ في عجلة من أمري أو مَا توقفتُ لحظةً عن الجريِ حتى للنوم!" ص140 "قد يكونُ الهدفُ الذي يبتغيهِ المسافرُ ليس المحطة الأخيرة، الطريق.. ربما" ص133.
ولا يخفى في تضاعيف النصوص ما نعرفه عن الكاتب من توثب روح وتوق نفس وقوة عزيمة  "أنت تطلب المستحيل أن أكون بلا علامات فارقة"! ص129 "لست في موقع الدفاع عن النفس بل في موقع الهجوم عليها!"ص129" الوقت قاتل ليس رحيماً" ص123
"ليس لي – بعد – الكثير من الوقت لأدور سأرتاح في مركز الدائرة المتخمة بالدوار" ص91 ثمة وقفة أخيرة عند المفردات التي جاءت في النص متراوحة بين الوضوح ودقة الاستعمال وبين الاستعمال المتقصد به وبين غرابة استعمالها لجهة نسق النص مثال: ص3 وردت كلمة "أيكة" سطر/4/ و النص استفتاحي لغته واضحة و سره في وضوحه و بساطته اللذين يجعلانه يقترب من الشعرية العالية و لكن في تقديري جاءت هذه الكلمة معجمية نوعاً ما قديمة جزلة لجهة سياق النص..
هناك استعمال لكلمات قد تدهم القارئ لجهة عدم تداولها الكثير من مثل "مفاوز، تولغ، أتواق، ميازيب ،..."
"قريباً من القلب" استراحة المحارب في فيء ظلال الأدب الوارفة، وقفةً تأملية انسكب فيها كل ما لم يرد الكاتب أن يسكبه قصة أم رواية أم شعراً، أو أنه آثر أن يسكبها هكذا بلا رتوش بلا عناوين بلا جنس أدبي واضح جاهز لتكون نثرات عطر وعبق أدبية توشي إنتاجه الثر وتلونه وتنوعه وبالوقت نفسه استراحةً يبترد بها روحه القلق وقلمه المبدع...
منتظرين المزيد من "كتابات ..."
نص الرسالة التي كتبها الأستاذ على الطنطاوي الي وزير الثقافة عبد السلام العجيلي
قصتي مع "مدارات" -2
قصتي مع "مدارات"
"مدارات" الحلم والعمل والألم لعبد الكريم الناعم
في الذكرى 54 لاستشهاده غسان كنفاني.. إبداع دائم الحضور
في وداع الدكتور مازن المبارك.. حين يترجّل فرسان اللغة
صَخْرَةُ البَارّ.. وَعَاصِفَةُ الجَوْر (قصة قصيرة)
في الذكرى الرابعة والخمسين لاستشهاد غسان كنفاني.. علاقة نموذجية ثقافية مع محمود درويش
عرض كتاب: "تطور المجتمع السوري 1831 - 2011"
"سيكولوجيّة الجماهير" للطّبيب وعالم الاجتماع غوستاف لوبون
من نوادر الرسائل.. رسالة نزار قباني لأستاذه مصطفى الزرقا
الشاعر المظلوم.. الذي تأخر المجد عنه
نوفل نيّوف: الآلة لا يمكنها إلغاء دور المترجم والفنان
أ. إسماعيل عبدالله حقوق الملكية الفكرية في ظل الذكاء الاصطناعي
محاضرة توعوية في المكتبة الأهلية بقرية الجروية- صافيتا حول أسس تربية النحل وفوائدها الاقتصادية