مفيد أحمد: جدلية العلاقة بين السياسة و الأدب
ترتبط السياسة عضوياً بتطور المجتمعات البشرية، فهي نتاج هام للنشاط البشري.
و تعرّف كفعل و أداء، تعريفاً فيه الكثير من الواقعية و العملانية، فهي:
" فن الممكن" و "فن حكم المجتمعات و الدول" و هو تعريف مبني على مقاس الوقائع، مع عدم إغفال التطلعات و الأهداف.
لا ينطبق هذا التعريف على الأدب كفاعلية انسانية، فالأدب لا يمكن أن يكون فن الممكن فقط، هو لكي يكون ذو قيمة إبداعية لا بد أن ينزع إلى تخطي الممكن إلى اللاممكن، الأدب لا يعترف قط بالممكن، و عندما يفعل يسقط في العادية و تنتفي عنه الدهشة ذات الأثر الجمالي.
إن في استخدام كلمة فن في تعريف السياسة تناقضاً مع البعد الإبداعي، فهي هنا أخذت معنى اصطلاحياً يعني التصرف بحكمة إلى حد الدهاء، و هو بمعنى آخر تكتيك حل المشكلة.
ارتبط الأدب عضوياً باللغة و تطور بتطورها كأداة تعبير و تفكير، و كان تاريخياً أحد قطبي العلاقة التفاعلية مع التغيرات و التطورات الاجتماعية و السياسية.
تشكل النصوص الميثولوجية ذات المضمون المختلف الواقعي و الماورائي إرهاصات الأدب.
فهي تعتبر المحاولات الأولى للتعبير عن الحالات الإنسانية، بمعطيات تلك الفترة و التي اتسمت كلها باللاتجنيس، أي لم تكن هناك بلورة لأجناس أدبية و استمر ذلك إلى نهايات العصر الموسوعي، الذي كان فيه الشعر سائداً كشكل أدبي طاغ. هذه النصوص كتبت بلغة شعرية، فلعبة اللغة فيها واضحة من حيث التقديم و التأخير، بنية الوحدة اللغوية، و التورية و التشبيهات التي تعمل على توجيه الدلالات.
ترافق التطور الأدبي مع التطور المعرفي و الاجتماعي، فمع الخروج من العصر الموسوعي تمايزت الأجناس الأخرى، فالنثر العربي انتعش في صدر العصر الأموي، مع تمايز العلوم نسبيا، و عالمياً نجد أن الرواية تبلورت مع إرهاصات عصر النهضة، و نضجت في عصر الأنوار، عصر العقل، الاختصاص العلمي و التمايز المعرفي.
علاقة السياسة بالأدب علاقة قديمة نستطيع تلمسها في النصوص الميثولوجية الأولى، فنص كملحمة جلجامش، إضافةً إلى أبعاده الروحية و الأدبية، ذو بعد سياسي يتضّح في موقف أهل أوروك من تصرفات جلجامش كسلطة غاشمة مستبدة، و احتفائهم بظهور أنكيدو كند له.
و السياسة واضحة في الأدب الإغريقي و الروماني "الألياذة و الأوديسة، لهوميروس و الأنيادة" لفرجيل، و السياسة هنا تمثلت في تناول الحرب التي هي استمرار للسياسة بطريقة أخرى.
هذه العلاقة يحكمها التجاذب، فدائماً كانت تترافق التحولات الكبرى و الأحداث مع تغيرات في السياسة و الاقتصاد و بالتالي مع تحولات ثقافية، من ذلك على سبيل المثال، انبثاق تيار السوريالية عقب الحرب العالمية الثانية و الذي أسس على الدادائية الذي أفرزتها الحرب العالمية الأولى كرد فعل على عبثية الحرب و جنونها، بينما نجد أن الحرب العالمية الثانية فروت ما يسمى تيار العبث.
تيار أدبي كذلك أتى كناتج لأحداث سياسية حدية أثرت في تاريخ البشرية، هو الواقعية الاشتراكية و ما دعي بالأدب الملتزم،الذي أتى نتيجة للثورة البلشفية و بدأ مع رواية الأم لمكسيم غوركي، تلك التي نسب إليها أثر كبير في الثورة البلشفية التي قامت في عام 1917 و انتصرت بعد أن أخفقت في عام 1905 و قد كتب الرواية عقب التجربة التي أخفقت لتساهم في إعادة الروح المعنوية إلى البلاشفة.
تختلف علاقة الأديب بالسياسة وفق معطيات الواقع، تلك التي تؤثر على الفاعلية الإبداعية، و معطيات الواقع تعني المعطيات الاقتصادية و الاجتماعية، الثقافية لإضافة إلى الظروف الأخرى كالسقف المتاح للكتابة و الإبداع، كذلك تعود طبيعة هذه العلاقة إلى الإرث الحضاري الذي ينتمي إليه الكاتب، و الذي يتلخص في الموروث الثقافي و الأخلاقي، منهج التفكير و البنية الذهنية، فالنصوص التي يكتبها مبدعون لا ينتمون للحضارة الغربية حتى و إن كانت تشتغل على الخاص و الفردي و الجواني، هي و لا شك تحمل دلالات تعكس بعداً سياسياً للوجود الإنساني يتجلى غالباً بواسطة الترميز و المداورة.
في هذا المضمار يرى إدوارد سعيد صاحب كتاب الاستشراق، أنه بالنسبة للكتاب و الفنانين و المثقفين في العالم الثالث, ما زالت السياسة تشكل جزءاً أساسياً من ثقافة شعوبهم، هكذا يضع السياسة في صلب الثقافة، السؤال ماذا يعني بالثقافة..؟ هل هي التراكم المعرفي أما أنها تتجاوز ذلك إلى القدرة على تعرية الواقع و رصد الظواهر الحياتية بمختلف معانيها.؟ و السؤال الأهم إذا كانت السياسة من صلب الثقافة و من أعمدتها في بلدان العالم الثالث فلم هذا التردي السياسي...؟ و لم ظلت الثقافة أرضاً بوراً بلا فعالية رغم كل ما تزخر به.
إن ثقافة تشكل السياسة جزءاً أساسياً منها, لا بد وجوباً أن يكون نتاجها الأدبي و الفكري و الفني ذو نفس سياسي، و هذا ما تجلي في النظريات و المدارس الأدبية ذات المرجعيات السياسية المعروفة، من الشكلية الروسية إلى الظاهراتية و التفكيكية، بل حتى النظرية الواحدة اختلفت باختلاف المنظرين المساهمين فيها كالبنوية مثلاً التي انقسمت إلى مدرستين على أساس أيديولوجي، حيث نجد بنويون ينظرون إلى البنى و الأنساق باعتبارها ثابتة أزلية غير معنية بالزمن كرولان بارت و دي سوسير، و آخرون ينظرون إليها على أنها تاريخية متغيرة و متناقضة و هؤلاء هم من يرتكز على النظرية الماركسية، مثل " لوكاش و ياكبسون ، جولدمان و غيرهم " هذا يتسـاوق مع ما يراه (تيري إيجلتون) في كتابه (مقدمة في نظرية الأدب) من أن نظرية الأدب الحديثة هي جزء من التاريخ السياسي و الأيديولوجي و هي مرتبطة بالمعتقدات السياسية و القيم الأيديولوجية.
ينبغي علينا التفريق بين الأدب السياسي و السياسة في الأدب، فالأدب السياسي ذلك الذي يعني ينظرية سياسية معينة، بتوجه أيديولوجي، و هو قد يتطرف ليصل إلى حد ما يمكن تسميته بالأدب الدعائي، حد هذا الأدب الأدنى ما تلخصه مقولة بليخانوف " الأدب مرآة الحياة الاجتماعية " توجز تلك الرؤية التي تجعل الأدب مجرد عاكس سلبي لتلك الحياة بكل ما يعتمل فيها، من ذلك المنعكس السياسي، رغم أن المرآة لا يمكن أن تعكس إلا ما هو مرئي، و قد يكون اللامرئي هو الأهم، الأدب في هذه الحالة سيحاكي السائد سياسياً فقط، دون أن يهتم بالآراء الأخرى.
الحد الأعلى للأدب السياسي تلك الروايات و الأعمال الأدبية التي كانت شبه ناطقة باسم التيارات الأيديولوجية و السياسية، و التي تهاجم و تسفه التيارات الأخرى، هذا الأدب لا بد أن يفقد قيمته في حال كانت له قيمة مع انحسار التيار الأيديولوجي الذي يداحي عنه، نذكر هنا رواية الأم لمكسيم غوركي و العقب الحديدية لجاك لندن.
أما تلك الأعمال الأدبية التي نتلمس فيها بعداً سياسياً فهي كثيرة و لا يكاد يخلو عمل أدبي من ذلك، روايات مثل البؤساء لفيكتورهيغو، و الحرب و السلام لتولستوي، آباء و بنون لتورجنيف، ذهب مع الريح لميتشل، الممسوس لديوستوفسكي، و أعمال أخرى، مثل أعمال ماركيز و الليندي، و يوسا و ميلان كونديرا، يوكو ميشيما و خالد الحسيني، و عربيا عبد الرحمن منيف و حنا مينه، حيدر حيدر و صنع الله ابراهيم، نجيب محفوظ، الطاهر بن جلون، واسيني الأعرج و غيرهم.
يحاول الأدب السياسي أن يلعب دوراً مباشراً في السياسة، و ذلك بصيغته و مضمونه ذي العلاقة بأيديولوجيا معينة، و هو في ذلك يعتبر من هذه الأيديولوجيا، أي من مجموعة القيم و الأفكار و النصوص و النظريات المكونة لها، بينما يلعب الأدب ذو البعد السياسي دوراً غير مباشر و ذلك بسعيه للكشف و التعرية عن قضايا معينة تشكل موضوعاً سياسياً دون أن يأخذ خطابه صيغة المباشرة، و هو في الحالتين قد يكون أداةً في يد أحد الأطراف السياسية يخدم أيديولوجيتها, أو يكون على نقيضها.
في سياق الدور غير المباشر للأدب في السياسة نجد أنه يشكل مصدراً مهماً لدراسة الشعوب و هو أمر ضروري في أسس اتخاذ الخطوات السياسية، و صحة اتخاذ القرار، نضرب مثلاً على ذلك ما ورد في مقال مطول لمحمد حسنين هيكل عن حرب البلقان، هذا المقال نشر عام 1999 و ذكر فيه أن سفير سورية في يوغسلافيا، أثناء فترة السـتينات نصحه بقراءة رواية (جسر على نهر درينا للكاتب إيفو أندريتش و ذلك ليبلور هيكل معرفة أساسية عن طبيعة المجتمع اليوغسلافي السياسية و الاجتماعية، ذلك قبل أن يجري حواراً مع الرئيس "جوزف بروست تيتيو" و قد فعل هيكل ذلك، و أكّد أنه فهم طبيعة هذا المجتمع من خلال قراءته، و هذا ساعده في الحوار الذي اعتبره ناجحاً، الجدير بالذكر أن أندرتش نال جائزة نوبل عن تلك الرواية عام 1966.
تاريخياً استثمر الأدب العربي في نفس الدور و ذلك من خلال الاستشراق، فقد عمل الغرب منذ القرن التاسع عشر على دراسة الموروث و النتاج العربي و ذلك لمعرفة الخصائص العربية، النفسية و العقلية، الاجتماعية و الثقافية، و ذلك لخدمة أهدافه السياسية في المنطقة، و أقام لذلك مدارس مختلفة و أرسل علماء و بعثات و أنفق مبالغ طائلة، و قد نتج عن ذلك دراسات كثيرة بعضها نشر و بعضها لم ينشر لأنه أعد لأهداف لا تسمح بنشره.
ساهمت هذه الدراسات في الهجمات الاستعمارية المتكررة على المنطقة العربية، و في الاستعمار الثقافي الذي شكل خطراً لا يقل عن العسكري بأثره طويل المدى شبه الدائم، فنحن إلى الآن ما زلنا نقرأ الكثير من تاريخنا بأقلام الغرب، في هذا الموضوع أنجز "ادوارد سعيد" أهم دراساته و هو كتاب "الإستشراق" الذي أثار عليه الكثير من الأقلام الغربية.
يفرض التداخل بين الأدبي و السياسي تغيراً في الخطاب، البنية و اللغة، و الدلالات، فالنص الأدبي قد يتحول إلى خطاب دعائي مباشر، حينذاك تبدو الدلالات مجدبة فقيرة و محدودة تأخذ منحى الاصطلاح، أما في حال طغى الأدبي في النص السياسي فانه يتحول إلى خطاب ملتبس بلغة فضفاضة و دلالات مترهلة.
إن اللغة كبناء و أداء تختلف في النص و الفاعلية السياسية عنها في النص و الفاعلية الأدبية، فالخطاب السياسي يعتمد على المصطلح و على الصياغة التي تتوخى الإقناع و التأثير، فالسياسة معنية باجتراع الحلول أو اقتراحها على أقل تقدير، بينما في النص الأدبي تقوم اللغة على المجاز و التورية، و ليس من غايات الأدب إيجاد الحلول بل الإضاءة و التعرية.
إن تداخل السياسي مع الأدبي في نص ما بدرجة كبيرة, سيضعه تحت اختبار الديمومة، هل هذا النص سيفقد أهميته مع انتهاء الموضوع السياسي الذي قاربه، و هل سنطلق تقييم النص من الجانب السياسي مع إغفال الجانب الفني..؟ أما تلك النصوص التي تتبنى أيديولوجيا معينة فقد رأينا أن لا بد أن تسقط في حال سقطت هذه الأيديولوجيا مهما كان سويتها الفنية.
تلاقى الأدبي و السياسي و تقاطع عند الأشخاص لا النصوص فقط، نجد أدباء تبوؤوا مناصب سياسية، منهم ليوبولد سنغور الشاعر السنغالي الذي أصبح رئيساً للسنغال، و قد سئل يوماً عن الخيار الذي سينحاز إليه بين أن يكون سياسياً أو شاعراً، أجاب : أختار قصائدي.
شاعر آخر أصبح وزيراً لخارجية فرنسا هو دومينيك دوفيلبان و يقال أن شعره كان له دوراً كبيراً في ذلك، رغم أنه لم يكن يعجب الولايات المتحدة الأمريكية و لم ترض عن ذلك.
في تركيا تبوأ شاعر رئاسة وزرائها هو بولاند أجاويد و لم يستمر طويلاً، أما ماريو فارغاس يوسا الروائي البيروفي فقد أخفق في الوصول إلى رئاسة الجمهورية بعدما أخفق في الفوز بالانتخابات.
عربيا هناك الكثير ممن جمع بين الأدب و السياسة: سامي الدروبي، نزار قباني، عمر أبو ريشة، توفيق يوسف عواد، مانع سعيد العتيبة و غيرهم.