مروان حبش: حرب حزيران 1967- ح2
البعث والعمل الشعبي المسلح
ورد في مذكرة لقيادة الحزب القومية بتاريخ 31/12/1961، وجهتها إلى مؤتمر وزراء الخارجية المنعقد في بغداد حول قضية فلسطين: (إن إبعاد جماهير الشعب عن قضاياها الأساسية يُفقد هذه القضايا الوعي والكفاءات والقوة الضرورية لانتصارها، ويحول دون بناء مجتمع ديمقراطي شعبي قوي قادر على مواجهة خطر "إسرائيل" وتحمل مسؤولية تحرير فلسطين وتصفية الاستعمار. وورد: إن حزب البعث العربي الاشتراكي يطالب مؤتمركم باتخاذ قرارات تُلزم جميع الحكومات العربية بإطلاق الحريات لأبناء فلسطين المقيمين في جميع الأقطار العربية لتنظيم صفوفهم في جبهة تحرير فلسطين، وتقديم جميع المساعدات المادية والقانونية التي تكفل لهذه الجبهة ممارسة عملها النضالي، واعتبارها ذات اختصاص مباشر في جميع الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين).
إن حزب البعث في مؤتمره القومي التاسع الذي انعقد في نهاية شهر أيلول 1966، قد أقرّ تبني أسلوب الحرب الشعبية كبديل لسباق التسلح ورديف للحرب النظامية في الوقت الملائم.
من هذا المنطلق، استقبلت سورية منذ أواخر عام 1964 منظمات العمل الفدائي الفلسطينية وقدمت لها كل الإمكانيات المتاحة لتأهيل نفسها وممارسة نشاطها، وأعلنت حركة تحرير فلسطين "فتح" من دمشق، عن قيامها بأول عملية لها في فلسطين المحتلة في الأول من كانون الثاني 1965، واعتبرت ذلك التاريخ يوم بدء العمل المسلح الفلسطيني ( الثورة الفلسطينية ).
كانت قيادة الحزب بعد حركة الثالث والعشرين من شباط 1966، في اجتماع لها في شهر نيسان من العام ذاته، استعرضت وضع الجيش, و أنه بعد انتهاء حرب 1948 وفشل إستراتيجية الهجوم التي اتبعتها الدول العربية لإحباط مشروع التقسيم، تركزت الإستراتيجية ووُضعت الخطط العسكرية لدول المواجهة الجغرافية العربية، ضمن اتفاقيات الهدنة التي وُقعت في رودس في العام 1949، تجاه الدولة الصهيونية في محاولة الحفاظ على "الوضع الراهن" الذي يهدف دون مزيد من التوسع "الإسرائيلي" في الأراضي العربية على فكرة الدفاع وامتصاص الضربة الأولى، ولذلك تمركزت القطع العسكرية في خنادق ومواقع على الحدود تدعمها في العمق العملياتي قوات أخرى، وهذا ما أثر على مستوى تدريبها وبالتالي على كفاءتها.
و على ضوء ذلك الواقع قررت قيادة الحزب إعادة هيكلة القوات المسلحة وبناء جيش ميكانيكي بجميع أسلحته يتمتع بسرعة الحركة وكفاءة التدريب، ويعتمد على النقاط والمواقع الحاكمة ـ بدلا من انتشار الجيش في خنادق على طول خطوط الهدنة ـ لتأخير أي عدوان ورده، تساندها في العمق الاستراتيجي قوات من المشاة والمدفعية والمدرعات وسلاح الجو، وأن ينطلق هذا الجيش في تنظيمه وتدريبه بما يتلاءم مع إستراتيجية الحزب في حرب التحرير الشعبية، مع إدراكها التام بأن التسليح الحديث ليس وحده الذي يصنع الجيش الحديث، وكذلك لا يحل الانضباط العسكري محل وعي الجندي بمهمته، وأن الجندي العربي ما زال إلى حد ما ضعيف الحس المدني وهو لم يصل بعد إلى انتزاع نفسه من سلسلة طويلة من أفاعيل التخلف الاجتماعي، ويفتقر إلى الإعداد التكنيكي والقدرة على المبادرة.
سافر في 19 نيسان 1966، وفد إلى موسكو برئاسة رئيس الوزراء يوسف زعين وفي عضويته وزير الدفاع اللواء حافظ الأسد وعدد من الوزراء وكبار الضباط المختصين لإبرام العقود اللازمة، وإدراكاً بالمخاطر التي تواجهنا قال الدكتور يوسف زعين يوم 22 نيسان في حفل التوقيع على اتفاقية التعاون الاقتصادي بين سورية والاتحاد السوفييتي: "نحن نقاتل في منطقة مصالح الاستعمار الإستراتيجية والبترولية".
كما طلبت قيادة الحزب إلى قيادة الجيش العمل مع قوات المراقبة الدولية لإحياء لجنة الهدنة المشتركة التي كانت "إسرائيل" قد قاطعتها منذ زمن، وذلك لتفويت الفرصة عليها ـ وهي التي كانت تفتعل حوادث الحدود كتمهيد لعدوانها ـ قبل أن يتم تحديث الجيش تسليحاً وتشكيلاً وتدريباً.
وكانت قيادة الحزب تسعى باستمرار لتصفية الأجواء مع الجمهورية العربية المتحدة وإقامة أمتن الروابط معها، ولقد تحقق ذلك بعد حركة 23 شباط 1966، لأن الرئيس عبد الناصر كان يرى أن الحساسيات التي كانت بينه وبين قيادة الحزب قبل الحركة، لم يعد لها وجود مع القيادة الجديدة.
الاعتداءات الإسرائيلية على الحدود
عزز وصول البعث إلى السلطة في سورية، ما عُرف بـ "المرض السوري"، أي قصف المواقع العسكرية الصهيونية وتهديد المستوطنات، الذي أصاب الكثير من كبار ضباط الجيش "الإسرائيلي" الذين كانوا مصممين على العدوان.
وعندما دخل المشروع العربي للتحويل مراحله التنفيذية، لجأ الكيان الصهيوني في الأعوام 1964 ـ 1965 على التوالي إلى أعمال القصف الجوي لمنشآت المشروع وآلياته في الجولان بقصد تعطيله واستحالة تنفيذه.
بدأ التوتر الشديد وساد على الحدود السورية والأردنية مع فلسطين المحتلة مناخ ملتهب، ومنذ شهري تموز وآب 1966 كثرت الاعتداءات "الإسرائيلية" على سورية، وتعددت الاشتباكات المسلحة، ففي يوم 14 تموز 1966 قام سلاح الجو "الإسرائيلي" بهجوم كبير ضد منشآت ومعدات تحويل المياه، ودارت معركة جوية بين سلاح الجو السوري والسلاح الجوي الصهيوني فوق مواقع التحويل، وتجددت المعارك الجوية في 15 آب، ورافقتها اشتباكات برية.
وفي 14 تشرين الأول ناقش مجلس الأمن الدولي شكوى تقدم بها الكيان الصهيوني ضد سورية، وكانت تلك الشكوى غطاء لعدوان جديد يخطط له الصهاينة.
وفي 13تشرين الثاني تذرعت حكومة الكيان الصهيوني بمقتل ثلاثة من جنودهم في حادث انفجار لغم على خطوط الهدنة باتجاه وادي عربة، وقامت بهجوم كبير على قرية السموع الأردنية في منطقة الخليل، ارتكب فيه جيش الصهاينة، بما عرف عنه من وحشية، قتلاً للسكان وتدميراً للمنازل، وعلى أثر ذلك عمّت المظاهرات في الضفة الغربية ضد حكومة الأردن التي لم تتخذ أي إجراء لحماية مواطنيها.
وفي التوازي مع هذه الاستفزازات، بدأ من كان يُطلق عليهم عرب أميركا، بتنفيذ دورهم في الخطة، وأورد محمد حسنين هيكل: (وقد كثّف خصوم مصر السياسيون في الأردن والسعودية حملاتهم ضد مصر لما اعتبروه تقاعساً من جانبها عن مساعدة الأردن في السموع، وقد وصل هؤلاء الخصوم إلى حد اتهام مصر بالخوف والجبن والتواري خلف قوات الطوارئ الدولية في سيناء، كما وصلت بهم الحال إلى اتهام الرئيس ناصر بالتواطؤ مع الصهاينة بهدف القضاء على رصيده لدى الجماهير العربية، وأمام هذه الحملات فقد كان من المستحيل سياسياً وإنسانياً على القيادة المصرية أن تقف موقف المتفرج حيال ما يجري في سورية).
وبما أن منطقة التحويل وما يتطلبه التحويل من منشآت وآليات موجودة على الجبهة السورية، أدى ذلك إلى اشتباكات مستمرة على خطوط الهدنة، وفي فترة الاشتباكات المتكررة هذه، وجّه الرئيس نور الدين الأتاسي بتاريخ 27 أيلول 1966، رسالة إلى الرئيس عبد الناصر، ورد فيها:
(سيادة الرئيس، إن المسؤولية التاريخية تحتم عليّ أن أخطركم بأن المعلومات المتوافرة لدينا تجعلنا نتوقع هجوماً إسرائيلياً كبيراً في الجو في الأيام القليلة القادمة. وطبقاً لما لدينا من معلومات فان "الإسرائيليين" يريدون أن ينتهزوا فرصة إعلاننا عن استئناف خططنا لتحويل مياه الأردن كحجة لاستئناف الهجوم على مشروعات التحويل، على أن يتطور هذا الهجوم علينا إلى ضربة جوية شاملة لا تترك هدفاً داخل حدودنا إلا وقد دمرته.
وقد قررت القيادة ضرورة التوصل إلى تنسيق كامل مع الشقيقة الكبرى الجمهورية العربية المتحدة، ونحن نقترح فتح خط لاسلكي مباشر بين قيادة الجيش في سورية وفي الجمهورية العربية المتحدة، ونرى أيضاً، ضرورة تغيير الشفرات المستعملة الآن لتأمين الاتصالات وحتى يكون في وسعنا إخطاركم دقيقة بدقيقة عن تطورات الحوادث المحتملة، ونعتقد أنه لابد للبلدين اللذين وَضَعت عليهما المقادير مسؤولية قيادة القوى التقدمية في الوطن العربي من حماية آمال الأمة وتجسيد قواها الفعالة والرادعة).
إن الموقف الجديد للرئيس عبد الناصر حيال قيادة الحزب بعد حركة 23 شباط، سهّل حدوث انفراج تدريجي ولكنه واضح، ولقد تُوج هذا الانفراج باتفاقية الدفاع المشترك بين القطرين والتي تم التوقيع عليها في القاهرة يوم 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1966.
سافر إلى القاهرة في 30 تشرين الأول وفد من قيادة الحزب تألف من رئيس الوزراء الدكتور يوسف زعين، رئيس مكتب الأمن القومي عبد الكريم الجندي، وزير الخارجية الدكتور إبراهيم ماخوس، ورئيس الأركان العامة اللواء أحمد سويداني، وجرت محادثات مع وفد الجمهورية العربية المتحدة برئاسة الرئيس عبد الناصر وعضوية نائبي رئيس الجمهورية المشير عبد الحكيم عامر و زكريا محي الدين, رئيس الوزراء صدقي سليمان، وزير الخارجية محمود رياض، والممثل الشخصي للرئيس حسن صبري الخولي.
طرح الوفد السوري موضوع الحرب الشعبية وضرورة تفجير طاقات الشعب العربي وتدريبه، وأبدى وفد الـ ج.ع.م رأيه بأن الموضوع ضخم وحيوي ويجب أن يدرس جيداً ويوضع له تخطيط سليم تكون احتمالات نجاحه أكثر من احتمالات خسارته، وأن مسألتي الحرب مع "إسرائيل" دون حسابات دقيقة، و التعرض للبترول، معناه الاصطدام مع أميركا.
ونتج عن المحادثات اتفاقية للدفاع المشترك، وهي إعادة إحياء لميثاق الدفاع المشترك الذي كان قد عُقد بين البلدين سنة 1955، بصيغة تتلاءم مع التطورات التي حدثت، وورد في مقدمة الاتفاقية:
(إن حكومتي الـ ج. ع. س والـ ج. ع. م، استجابة منهما لرغبة الشعب العربي في كل من القطرين الشقيقين، وانطلاقاً من إيمانهما المطلق بالمصير المشترك وبوحدة الأمة العربية، وتوحيداً لجهودهما في تأمين وحماية سلامتهما ومثلهما القومية، قد اتفقتا على عقد اتفاق دفاع مشترك تحقيقا لهذه الغايات)
من كتاب مروان حبش (البعث وثورة آذار)