كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من إدلب.. إلى إدلبستان

نجم الدين سمان

 قال أبي قبل انتقالي إلى المرحلة الثانوية: - سجّل في القسم العِلمي.. أريدكَ طبيباً أو مهندساً أو صيدلانياً.
فأجبتُه: - لن أكون في هذا الثالوث.
كنت أميلُ إلى الآداب وإلى الفنون وليس إلى الرياضيات وسِوَاها؛ فهزَّ رأسهُ: - ثالوث.. من أين تعرف هذه الكلمة يا ولد؟.
قلتُ: - أليسَ أنتَ.. مَن سَجّلني في المدرسة الصيفية للكنيسة.
أتذكر حين جاءت أولُ حِصّةٍ للديانة ودخلَ أستاذٌ ليُعطي للطلاب درساً في الديانة المسيحية.. جاءنا الخوري فقال:
- نجم ومحمد وياسر ومصطفى.. تعالوا معي.
خرجنا في رتلٍ وراءَ الخوري الى مكتبهِ في الكنيسة؛ قال: - اجلسوا يا شباب.. أهلاً وسهلاً.
ابتسمنا له بفخرٍ.. لأننا نجلسُ على المقاعد الوثيرة المُعَدَّةِ لاستقبالِ الزُوّار؛ بينما اتجَهَ الخوري نحو خزانةٍ خلفَ مكتبهِ.. مَليئةٍ بكُتبٍ مُجلّدَة؛ أخذَ بين يديهِ واحداً منها؛ وحين قبّلهُ واضعاً إيّاهُ على جبينه؛ قرأنا على الغلاف بالحروف المُذهّبة: القرآن الكريم / تفسير الجلالين.
ثمّ أخذَ يُجوّدُ لنا إحدى السور. لم يكُن صوتهُ شجياً.. كصوتِ الشيخ حكمت؛ لكنه كان واضحاً.. وبلا تفخيمٍ ولا تزيين.
بعد انتهاء حصتنا.. اقتربت من الخوري:
- أبونا.. أنا حفظت القرآن كلّه في مدرسة الشيخ نافع؛ بدِّي احضَر درس ديانتكم المرّة الجايه.
ابتسم الخوري: - اسأل والدَك.. إذا كان يقبل.
وسألتُكَ.. يا أبي؛ فقُلتَ لي: - ليش لأ.. نحن نُجِلُّ سيدتنا مريم؛ ونعترفُ بنُبُوَةِ سيّدنا المسيح.
ذكّرتُ أبي بالقصة.. ثمّ قلت:
- فلماذا تسألني.. كيف تعرف كلمة: ثالوث؟!.
تُوفِيَ والدي فلم يشهد ما حصل لمدينته.. ولن أخبِرَهُ بأنها قد خَلَت مِن أيِّ مسيحيّ.. سوى صاحبِهِ أبو بطرس؛ حين تحولت إلى عاصمةٍ لولاية إدلبستان. فلو كان حياً لذَهبَ إلى الكنيسة.. مُتضامناً؛ ولكَان صوته قد ملأ حارتنا التي تتجاورُ فيها بيوتُ الأدالبة: مسيحيينَ ومُسلمين: - ما هكذا إسلامُنا.. هؤلاء إخوتنا في الله وفي الوطن.
حكى لي والدي.. أنّ الأدالبة كانوا يحلّون خلافاتهم في مَجلِسٍ أسبوعيّ يضمّ المفتي وراعي الأبرشية؛ فإذا اشتكى أبو الياس على أبو محمد.. تشاور المُفتي والخوري ثم نطَقَ المُفتي بالحكم لصالح أبي الياس؛ أو.. يردُّ الخوريّ شكوى أبي الياس ويُطالبه بالاعتذارِ العَلنِيّ من أبي محمد؛ فإذا خلا المجلسُ من الشكاوى وكان يُعقَدُ أسبوعياَ: في مقرّ المُفتي مرّةً؛ وفي صالة الأبرشيةِ مرّةَ اخرى؛ أخذَ الحاضرونَ يروون القصصَ التي فيها عِبرةٌ للسامِعين؛ ومُختاراتٍ من الشعر والأقوالِ المأثورة؛ ومِن النوادر والنكات.. أيضاً.
أردفَ والدي.. استمرّ هذا المجلس الأسبوعي منذ 1850؛ حتى أنشأ حافظ الوحش.. أولَ فرعٍِ لمُخابراته في إدلب؛ فاستدعى رئيسُ فرع المخابرات العسكريّة العميد سيف.. كلاً من الخوري والمُفتي؛ رَحَبَ بهما إلى درجةٍ استغربا فيها إسهابَهُ في الترحيب؛ ثمّ ختَمَ بجُملةٍ حاسِمَة: - أغلِقا هذا المجلس الأسبوعيّ؛ فمُنذ اليوم.. نحنُ من يحلّ مشاكلَ الناس.
روى لي جدّي إسماعيل أحدُ مُؤسِسِي النادي الأدبي في إدلب عام 1920.. أنه أثناء فِتنة حلب عام 1850 التي اعتدي فيها الانكشاريون العثمانيّون وشبّيحتهم المُحليّون على المسيحيين في حلب ونهبوا كثيراً من بيوتهم ومن متاجرهم؛ بل.. قتلوا منهم 17 ألف شخص؛ قام مُسلمو حلب بالدفاع عنهم؛ فتحوا بيوتهم لاستضافتهم؛ شكَّلوا دوريات حراسةٍ نهارية وليلية للدفاع عن حاراتهم؛ احتجوا عند الوالي ضدّ الانكشاريين؛ أرسلوا العرائض إلى الباب العالي في استانبول لوأدِ الفِتنة.. حتى توقفت المَجزرة؛ وخلالها.. قامَ بعضٌ مِن سَفَلَةِ إدلب بالتنُمُر على المسيحيين.. فتصدّى لهم المُفتيى صارخاً: - مَن لا يُؤمن بسيدنا المسيح.. وبالأنبياء جميعهم؛ فلا إسلامُ لَهُ؛ ولا نحسَبُهُ بين المسلمين.
فتجنبَت إدلبُ.. انتقالَ الفِتنَةِ إليها.
قالت لي جدّتي نفّوس: - حين نصوم رمضان.. كان المسيحيّون يصومون معنا.
فسألتها: - كيف يصومون؟!
أجابتني: - يمتنعون عن الأكل في العَلَن وحتى عن تدخين التُتُن؛ يُؤجِلُونَ مائدة الغداء حتى موعد إفطارنا؛ كم مرَّة.. حَمَلتَ أنت سِكبَةً "صحناً" من طبختنا إلى أمّ الياس؛ وكم مَرَّةً.. حَمَّلَتَكَ مِن طبختها؟.
فعلّقتُ ضاحكاً: - في كلّ رمضان.. أصيرُ مثلَ ساعي البريد بينكما.
وسمعتُ أمّي.. ذ1ات يومٍ تسالها: - ماذا نطبخ اليوم.. يا حماتي؟.
فتُجِيبها: - من اليوم بلَّشَت طبخات الزيت وحتى أربعين يوم.. حرام أم الياس تشمّ ريحة "الزَفَر: تقصد رائحة اللحم والسمن.. الخ" وهي صائمة.
وكان ابراهيم زميلي وصديقي وابن مُختار حارتنا.. قد ذهبَ يدرسُ الكهنوت؛ بينما بقيتُ أنا.. في الناسُوتِ الدُنيوِيّ؛ ثمّ عادَ راعياً للأبرشيّة ومديراً لمدرستها التي كُنّا ذاتَ يوٍمٍ طلاباً فيها؛ أعادَ ترميمَ الكنيسةِ وزخارفها بإشرافِ صديقنا المُشترك عبد القادر عبد اللّي؛ ثمّ حَوَّلَ صالةَ الكنيسة إلى نادٍ ثقافيّ لجميع المُبدعين الأدالبة.. حتى صدر الأمرُ الأمنيُّ بإيقافِ هذه الأنشطة.
حين دخلَ إخوةُ المنهج مدينةَ إدلب ضَيَّقَ بعضُهُم الخِنَاقَ على مسيحييها.. وحاولَ شُرفاء المدينةِ وعُقلائها مِن المسلمين؛ ومن بقايا "الجيش الحرّ" التصدّي لهذه المُضايقات؛ حتى جاء يومٌ.. سلَّمَ فيه الخوريّ ابراهيم مفاتيحَ الكنيسةِ.. لعائلةٍ مُسلمة لتكون برعايتها؛ ثمّ أنّ إخوة المنهج الذين حطموا تمثالَ المعريّ في معرّة النعمان.. وفعلوا الشيء ذاتَهُ بتمثالِ إبراهيم هنانو في إدلب؛ قد تواترت الأخبار عَن نَهبِهم لمُحتويات الكنيسة ولأيقوناتها ولمدرستها.. كما فعل الانكشاريّون العثمانيون بكنائسِ حلب قبل 110 سنوات؛ فقام أحرارُ إدلبَ بتهريب الخوريّ ابراهيم إلى أنطاكية لاجئاً فيها؛ ورحلَت عائلته إلى كندا قبلَهُ.. حتى لحِقَ بها أخيراً.
ثمّ أنّ كنيسةَ الأبرشية الأرذثوكسية في إدلب قد تعرّضت أيضاً.. لقصف طائرات النظام الأسدي/ الروسي؛ فكانت بين استبدادين؛ يدّعي أحدُهُمَا.. بأنّ المسيحيين.. أهلُ كتاب؛ ويدَّعي الثاني بأنه يحمِي المسيحيين.. بينما يطالُ قَصفُهُ الكنائسَ في حمص ودير الزور والزبداني وإدلب.. الخ.
*- اللوحة "كنيسة إدلب" للفنانة سميرة بيراوي / Samera Birawi