ذكرى من زمن النضال والأحلام
2025.08.01
نصر شمالي
في تموز/يوليو 1966، كانت زيارتنا للجزائر بمناسبة الذكرى الرابعة لتحريرها، وقد رتبت الحكومتان الجزائرية والسورية لنقل رفات الأمير عبد القادر الجزائري من دمشق إلى الجزائر مسقط رأسه.
وجرى لرفات الأمير المجاهد وداع حافل في دمشق، برعايةالرئيس الدكتور نور الدين الأتاسي، واستقبال هائل في الجزائر، برعاية الرئيس هواري بومدين، ولقد كنت في عداد الوفد السوري الكبير الذي رافق الرفات إلى الجزائر، وعوملنا من قبل أبناء الشعب الجزائري وحكومته معاملة خاصة كريمة ومؤثرة جداً، حيث اشتركت بأعياد التحرير في ذلك العام، وفود 54 دولة.
وكان لوفدنا السوري برنامج خاص مكثف مليء باللقاءات والزيارات اليومية، وذات صباح باكر، ونحن نستعد للتحرك على أساس البرنامج، أقبل علينا في مكان إقامتنا في قصر الشعب قائد المنطقة الثالثة (أو المنطقة الأولى؟) المجاهد الرائد السعيد عبيد، وقال أنه يريد استضافتنا وتجوالنا في منطقته ليوم كامل، فأجابه رئيس وفدنا جميل شيا أننا ملتزمون ببرنامج مكتوب أوصى به الرئيس بومدين، فتوجه السعيد عبيد إلى الهاتف وتحدث إلى الرئيس بومدين بحضورنا، وأخذ منه الموافقة على استضافة منطقته لنا في اليوم التالي!
وفي صباح اليوم التالي أتانا القائد السعيد عبيد ومعه رتل من السيارات وعدد من الضباط، وقبل أن ينطلق الموكب خاطبنا جميعنا قائلاً: "سنقضي مع بعضنا في هذه الجولة النهار كله، وأرجوكم لا أريد خلال هذا اليوم رؤية سوري يتحادث مع سوري ولاجزائري يتحادث مع جزائري"! وضحكنا، ثم توزعنا على السيارات، كل سيارة فيها سوريين اثنين وضابط جزائري نتحادث معه طيلة الوقت عن أحوال بلادنا العربية، وعن أحوال العالم، وعن مستقبل أمتنا العربية الذي ينبغي علينا العمل على تحقيقه..
لقد كانت جولة مكثفة رائعة في ولاية تيزي أوزو، حيث استقبلنا الناس، ومعظمهم من القبائل، أروع استقبال: "أهلاً بكم إخواننا في المشرق"! هكذا كانوا يهزجون!
وفي الليل انتهت جولتنا في مركز قيادة المنطقة في بلدة بليدا على مقربة من العاصمة، وفي صالة قيادة المنطقة، حيث أعد لنا طعام العشاء، ودعنا بحرارة أخوية الضباط الذين تحادثنا معهم طيلة النهار، وإذا بضباط جدد يدخلون القاعة ويتوزعون علينا! وقد أقبل علي أحدهم يحادثني! لكنني كنت مرهقاً حقا، وقد استنفدت كل قدرة على الكلام وعلى الاستماع، فحاولت أن أتهرب من فتح حديث، بل رحت أجيل بصري في أنحاء القاعة متشاغلا! وكان السعيد عبيد على مقربة يجلس هو وجميل شيا، فلما نظرت إليه مصادفة وجدته كمن ينتظر أن تلتقي نظراتنا، وعندما التقت أشار إلي بيديه إشارة تقول من دون كلام: "تحادثا.. تحادثا"!
----
الصورة في الجزائر لثلاثة من أعضاء الوفد السوري، من اليمين: حمود القباني أمين فرع حزب البعث في السويداء، ونصر شمالي أمين فرع الحزب في دمشق، وخزاعي المللي أمين فرع الحزب في القنيطرة.