كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

لا معنى للشرق الأوسط من دون طوائفه

علي بدر

لا معنى للشرق الأوسط من دون طوائفه. لا شكل له من دون أقلياته. لا لون له من دون عقائد الاسلام الباطنية التي كانت تنبض في الجبال، في الكهوف، في الحارات الضيقة، في المطارح المنسية، حيث يُغسَل الإيمان من صوته، ويُعاد إلى جذره الغامض. الباطن لم يكن بدعة، بل كان الجذر. وكان الشرط. وكان الإيقاع الداخلي لهذا المكان الذي لا يمكن أن يعيش على العلن وحده.
اليوم، وهو يقتلهم، يطرد نفسه من نفسه. اليوم، وهو يشطبهم، يشطب تاريخه، ويُحوّل الجغرافيا إلى نص واحد، صاخب، أخرس، أحادي، ممل. كان الدين دين الله في جمال عباده، لا في خنقهم. كان سنة المزارع، لا سنة القاطع. لكنه ضاع حين هبّت الصحراء لا كهواء، بل كحدّ، كسيف، كممحاة. ضاع حين أُلبست السيوف ثياب الرسالة، وحين صار الحرف أشد من السكين، وصار الظن أقوى من الرحمة.
ما تبقى الآن هو الشبح. ما تبقى هو الصوت المرتفع حين مات الصوت الداخلي. وما تبقى من الشرق، هو كراهية ملثّمة باسم الله.الشرق الأوسط لا يُقتل من خارجه، بل من داخله. من جدرانه التي تهدم الجدران. من حناجره التي تلعن الممرات الضيقة التي مشى فيها الأولياء، والمتصوفة، وأصحاب السرّ. من الدول التي قررت أن الخلاص لا يأتي إلا بمحو المختلف.
فيا لهذا الخراب: يقتل الأقليات، ويُفتّت نفسه، يذبح الباطن، ثم يموت ظمآنًا لأنه فقد الماء. يصرخ توحيدًا، ثم يتمزق في كل اتجاه. عقائد الاسلام الباطنية هي الظل ومن يرفض الظل لن يعرف الضوء أبداً.