كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

بسنادا.. كلكة لتقطير السجناء السياسيين

لم أستطع مقاومة عرق بسنادا ولا قصص أهل بسنادا، فاخترت لكم هذا القصة من أرشيف الاستاذ رئيف زهدي العجلاني، فتحية إلى أهل بسنادا وشهدائها الطاهرين
د. نبيل عزالدين حما- واشنطن
بسنادا:
كلكة لتقطير السجناء السياسيين
رئيف زهدي العجلاني
لأنني نشأت في بيئة إسلامية متدينة لم أعرف المشروبات الروحية لحد دخولي الجامعة. أثناء الدراسة الجامعية تعرفت على أجواء اليساريين والماركسيين. كما تعرفت على المشروبات وبدأت أتذوقها، وأصبح لدي مجموعة من الأصدقاء من مناطق مشهورة بالعرق مثل محردة والوادي، وأصبحت ألبي دعوة الأصدقاء للشرب بكل غبطة لأنني لا أستطيع الشرب في البيت احتراماً لمشاعر والدي الحاج المسن.
منذ أشهر بدأ لعابي يسيل عند قراءتي عن "الكلكة" وعرق التين الذي لم أجربه بعد، ضمن كتابات الكاتب جهاد نصرة، فقلت في نفسي إن سمحت لي الظروف سأذهب لأرى الكلكة وكيف يقطر بها المشروب الرائع وساتذوق عرق التين للمرة الأولى. عرفت أن المنطقة تسمى بسنادا بالقرب من اللاذقية، فبدأت بالبحث والتقصي عمن يوصلني إلى بسنادا، وأخيراً وجدت من يعرف المنطقة جيداً وله أصدقاء في بسنادا. ولكنه خيب أملي فكلما طلبت منه اصطحابي إلى بسنادا ماطل، فقررت أن أذهب من رأسي بدون حاجته. وصلت إلى بسنادا وانطباعي الأول أنها منطقة فقيرة جداً. ببعض الحرج بدأت أسأل كل من صادفته عن مكان الكلكة والجواب الذي ردده كل شخص: ((لا أعرف)) ولهذا سألت كل من صادفته بعد ذلك عن مكان الكاتب الأستاذ جهاد نصرة وكان جواب الكل ((لا أعرف))، جده أبو وحيد والجواب((لا أعرف))، ثم بدأت بالشك أنني لست في المكان المقصود، فسألت من التقيتهم بعدها: ((ألا يدعى هذا المكان بسنادا؟))، فكان الجواب ((نعم)). تلك التجربة خيبت أملي في سكان بسنادا. رجعت من تلك المنطقة محبطاً ورويت ما حصل معي للأخ الذي يعرف أصدقاء في بسنادا، فشعر بالخجل أنه لم يلب طلبي مما تسبب في تلك التجربة دون الإهتداء إلى ما أريد. بعد أسبوع أخبرني ذلك الأخ أنه رتب مع صديق له في بسنادا وحدد موعد ليريني الكلكة.
في الموعد المحدد ذهبنا إلى اللاذقية، وهناك انضم إلينا شخص ثالث عرفني عليه صاحبي أنه من بسنادا وعرفه علي أنني ((الصديق الذي حدثتك عنه يتحمس لرؤية الكلكة ولشرب عرق التين ولم يوفق في الزيارة الماضية)). ذهبنا ثلاثتنا إلى بسنادا، وهناك ونحن نتمشى بدأ يعرفني عن قرب على المنطقة. بدأ بالقول بصوت منخفض هذا البيت الذي تراه على يسارك هو بيت طبيب العظمية السجين السابق علم الدين الكردي، سجن لعلاقاته مع منظمات حقوق الإنسان، وإن مشينا بهذا الشارع حوالي مئة متر نصل إلى بيت المرحوم الشهيد محمد عبود الذي قتل تحت التعذيب في السجن متهماً بتوزيع منشور لرابطة العمل الشيوعي، مشينا حوالي مئة متر نحو اليمين فقال صاحبنا وهذا بيت الدكتور عارف دليلة أحد سجناء الرأي وأخته الدكتورة سلمى دليلة التي سجنت من قبل بتهمة التدخل بالسياسة، بعد حوالي ثلاثين متراً قال وهنا بيت الدكتور جمال رنجوس السجين السبق لمجرد الإشتباه بعلاقات مع اليساريين وكذلك أخيه السيد حسن رنجوس سجن للسبب نفسه. ثم انعطفنا في مسيرنا نحو اليسار حوالي مئتي متر ونحن ندردش عن المنطقة، فعلقت بقولي معاناة هنا أيضاً! ظننت أنه فقط في منطقتنا حيث يتهم الناس بالعلاقات مع الإخوان، أما هنا التهمة حتماً ((يساري)).

وأشار بعينيه نحو اليسار قائلاً وهذا بيت السجين السياسي السابق، والمحكوم بالسجن حالياً، فاتح جاموس، تابعنا صعوداً وبعد قليل من انتهاء الدرج الإسمنتي قال: وهذا على اليمين بيت السجين السياسي السابق الدكتور محمد علي غانم وعلى اليسار بيت السجين السياسي السابق الأستاذ غسان غانم والأستاذ نزار غانم، والبيت الملاصق هو بيت السجين السياسي الذي خرج مريضاً من السجن السيد وجيه غانم الذي عذب بطريقة وحشية لا توصف، ثم مشينا قليلاً فتابع صاحبنا: وعلى اليمين المدخل إلى بيت السجين السياسي السابق رزق الله جاموس.. قبل أن يتابع كلامه قاطعته قائلاً: من بعد أذنك أنا جئت إلى بسنادا ظناً أن بها كلكة تقطير عرق وإذ بها كلكة تقطير سجناء، ولا أراك إلا تذكر أسماء المساجين! هل بهذه البساطة يحصل اعتقال الناس ألم يحاول هؤلاء الهرب أو التخفي. فقال كل اسم ذكرته له قصة مليئة بالأحزان والعذاب له ولمن حوله، كم منهم مات أهله وهو في السجن، وهذا ليس كل شيء فالقصص كثيرة جداً عن المعاناة هنا، ولن أسبب لك الصداع بالكلام المفصل عن أخذ الناس وتفتيش بيوتهم ومصادرة مكتباتهم، وكيف كانت السلطة ترسل المخبرين من مناطق أخرى ليستأجروا بيوت هنا لمراقبة ما يجري، مع العلم أن بها ما يكفي ويزيد من المخبرين. فقلت في نفسي الآن أدرك لماذا كان جواب الناس لي هنا في زيارتي الأولى ((لا أعرف)).

تابعنا السير وأنا أسمع الغرائب من القصص عما لحق بأهل المنطقة من أذى. وأخيراً أتينا إلى بيت مضيفنا ومشاعر مختلطة في ذهني عن كل شيء. قدم مضيفنا الغداء وكان هناك عرق لكن عرق إنتاج معمل السويداء، وابتسم مكرراً أنه لا يوجد عرق تين هنا فقد أصاب اليباس شجر التين منذ زمن بعيد وإلا كنا قدمنا لك عرق تين، لا أعرف إن كان من حقي الكلام عن الأستاذ جهاد نصره ولكن برأيي أن ما يكتبه يوضح مدى خيبة أمله مثلنا جميعاً.
سألته إن كان بإمكاني التعرف على الأستاذ جهاد نصره فقال: أرجو ألا تفهمني خطأ ((لا أعرف)) الأستاذ جهاد عن قرب. سألت مضيفنا: أريد ذكر أسماء سجناء هذه المنطقة دون أن أذكر اسمه أو اسم الشخص الذي اصطحبني إليه إن كان يمانع. فقال: لا أستطيع أن أقول لك نعم أو لا، القصص هذه معروفة والأسماء حقيقية ولم نخترعها أو نخترع حكاية سجنها وليست سراً. فطلبت منه تدقيق الأسماء فقط.
والسؤال الأخير كان لمضيفنا كان عن سبب استهداف السلطة لهذه المنطقة، فكان الجواب أن هذا السؤال يجب أن يوجه للسلطة وليس لأهل المنطقة.