كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

السويداء.. الدروز

شعبان عبود

 ما حصل في سوريا يوم 8/12/2024 كان بمثابة زلزال كبير هزّ دول المنطقة كلها، قلت في وقت مبكر جدا أنه يشبه بتأثيره على المنطقة ما أحدثه هدم جدار برلين على أوروبا.. لكن قبل كل ذلك كان أيضا زلزالاً بالنسبة للسوريين جميعاً غيّر حياتهم وسوف يغيرها إلى الأبد، هذا الزلزال ارتداداته المحلية تم التعبير عنها فرحاً وحبّا واحتضاناً عند البعض وأيضا قلقا وتوجسا عند البعض الآخر، هذا شيء طبيعي ومفهوم. نحن نتحدث عن عملية كبيرة، عن تحول تاريخي.
على هذه الخلفية يمكن تفسير الكثير من الردود والمواقف الانفعالية والعاطفية عند غالبية السوريين وصلت لحد التطرف في التعبير عن الفرح لدرجة نسيان وتجاهل كل الواقع المأساوي لما خلفه النظام وراءه قبل أن يسقط، تطرف في الفرح، تطرف في الأمل، تطرف في الدفاع عن المنتصرين، تطرف في رؤية نصف الكأس الممتلئ فقط، تطرف لا تستطيع أمامه توجيه حتى ملاحظة منطقية أو انتقاد بسيط، وهذا كله طبيعي، لقد حدث زلزال هزنا جميعا.
التطرف في القلق والخوف والتوجس والشك أيضا كان موجوداً عند فئات من السوريين ليس بالقليلة، ربما أكثرهم كان السوريون من أبناء الطائفة العلوية، وفي درجات متفاوتة السوريين الأكراد والسوريين المسيحيين والسوريين الدروز. كل لأسبابه الخاصة. علينا فهم كل ذلك وفهم أسبابه جيداً حين التفكير بالتأسيس لحقبة جديدة وبناء دولة مختلفة عن النظام السابق، بدون ذلك، بدون الاستماع جيدا لبعضنا كسوريين لن نستطيع أن نخطو الخطوة الثانية.
وبمعزل عن بقية الأثنيات والأقليات المذهبية والدينية السورية حيث يحتاج ذلك شرحا مستفيضا، فإن ما لفت النظر في الآونة الأخيرة هو الهواجس أو القلق الذي عبّر عنه زعيم الموحدين الدروز في محافظة السويداء الشيخ حكمت الهجري. بصراحة لم أجد في كل أحاديث الهجري ما قبل سقوط النظام وما بعده أي شيء يثير الريبة ولم ألمس أي نزعة أو موقف سلبي اتجاه التطورات الأخيرة أو ازاء السلطات الجديدة في دمشق ممثلة بهيئة تحرير الشام وزعيمها الأستاذ أحمد الشرع، الهجري عبر عن سعادته بسقوط النظام وبارك هذا الانتصار الذي قام به "أصحاب الأرض" ولاحقاً حينما تحدث عن ضرورة التحضير الجيد للمؤتمر الوطني العام بحيث يخرج بنتائج يمكن من خلالها التأسيس لمرحلة جديدة، وأيضا حين تحدث عن أهمية الدستور كمقدمة تسبق بناء علاقة جديدة مع المركز في دمشق. هذه النقطة تحديداً قد يراها البعض أو رآها تمرداً أو عدم اعترافاً أو تشكيكاً بالسلطات الجديدة، أو أن الشيخ الهجري انطلق من مواقف غير وطنية بل طائفية مسبقة كونه رجل دين وزعيما للأقلية الدرزية، حسناً، قد يكون كذلك، أليست السلطات الجديدة تستند لخلفية دينية إسلامية تُعتبر متشددة بنظر الكثيرين في الداخل والخارج؟ بمعنى ألا يحق لرجل دين أقلوي أن يخشى من جماعة وصلت للسلطة وتستند لخلفية دينية أيضا وربما لديها طموحات لأسلمة الدولة كلها، أسلمة القوانين والتعليم وفرض قناعات معينة على الحريات الشخصية؟
كل ذلك القلق وكل تلك التساؤلات تُعتبر مشروعة في إطار عملية التأسيس لمرحلة جديدة من حياة السوريين، ومن الطبيعي أن يكون هناك وجهات نظر مختلفة ومن الطبيعي أن يكون هناك خلافات، ومن الطبيعي أن يكون هناك حوار وتواصل وخطوات من أجل الوصول لصيغة دستورية قانونية أو عقد اجتماعي سياسي يمأسس حياة السوريين جميعاً بكل أطيافهم.
ألم نقل أن ما حصل كان بمثابة زلزال وهي عملية تحول تاريخي كبير في حياتنا؟
من ناحية أخرى ولنكن صادقين جميعاً مع أنفسنا، السويداء والدروز لا يحتاجون من الآخرين دروسا في الوطنية، تاريخياً نعلم جميعاً تمسكهم بوطنيّتهم وعروبتهم، ولا ننسى أن الحراك السياسي السلمي الذي بدأ قبل نحو عام ونصف العام تقريباً، كان قد أحيا الثورة السورية وأوقد النار من جديد في جمراتها التي كادت تنطفئ، لقد أعاد حراك السويداء الأمل مجددا لنا جميعا بعد سنوات من الإحباط واليأس. لا ننسى دور رجال الكرامة، لا ننسى الموقف المتعلق بعدم إرسال أبناء المحافظة للخدمة الإلزامية العسكرية لمشاركة قوات النظام في قتل السوريين، كل ذلك يجب ألا ننساه ، هذا ليس شهادة حسن سلوك، بل من الضروري التذكير به..
موجة كبيرة من التطرف والتشكيك وحتى التخوين بتنا نلاحظها إزاء أي شخص أو جماعة تعبر عن وجهة نظر ما أو مطالب معينة، نرى أن كل ذلك يجب أن يكون طبيعيا وأن نتقبله ونعتاد عليه، نحن نؤسس لحقبة جديدة، لتاريخ جديد، ولا بد من الاختلاف والحوار ريثما يتم التوصل والوصول إلى بر الأمان.. وحين نصل سنشعر بعظمة وأهمية ما صنعناه للأجيال القادمة..