كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

200 يورو بالساعة كرمال ترامب.. وعيون "إسرائيل"

بعيد استلام ترامب منصبه كرئيس للولايات المتحدة الأميركية، في مطلع عام 2017، اتصل بي شخص من السفارة الأميركية في برلين، وأخبرني أنهم يريدون مترجماً للغة العربية لمدة ساعة.
وصلت أمام السفارة الأمريكية في برلين قبل الموعد بعشرين دقيقة.
أمام مدخل السفارة، رأيت رجلاً يذرع المكان جيئة وذهاباً، ويدخن السيجارة تلوَ (بطيز) السيجارة.
عرفته على الفور، لأنني رأيته عدة مرات على شاشة التلفزيون كناشط من أجل الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان، وكان يتحدث، دائماً، عن افتقاد سوريا لحقوق الإنسان وحاجتها كذلك للحرية والديموقراطية.
أدركت حينها أنه الشخص الذي سأقوم بالترجمة له.
بعد إجراءات تفتيش لم أشهدها في أيّ مطار، دخلنا إلى غرفة واسعة جداً وفي وسطها طاولة من الخشب البني المصقول، وحول الطاولة جلس 20 شخصاً من رجال ونساء، وفي الوسط كان مقعدي ومقعد الضيف فارغين بانتظارنا.
بدأ الضيف حديثه بمقدمة تلفزيونية عن حاجة سوريا إلى دعم أميركا لنشر ثقافة الحرية والديموقراطية وتعزيز مفاهيم حقوق الإنسان فيها، ثم طرح سؤالاً عن توجّه الإدارة الأميركية الجديدة مع الرئيس ترامب، وأعرب عن قلقه من أن لا تقدّم الإدارة الجديدة الدعم اللازم للشعب السوري لكي تنتصر ثورته، وأردف "مهدداً": إذا كان ترامب لا يريد الوقوف إلى جانبنا، فعلينا أن نعرف لنتدبر أمرنا ونتوجه إلى جهات أخرى مستعدة لدعمنا.
ردّ عليه أحدهم - عرفت لاحقاً أنه المكلف بالملف السوري - وقال له، بدبلوماسية، إنهم لا يعرفون، بعدُ، توجهات الإدارة الجديدة، وعليهم الانتظار لبعض الوقت حتى تتبلور سياسة ترامب تجاه المنطقة وسوريا.
(أنا مضطر لأن أقول: إن الضيف هو ابنٌ لأبٍ علويّ وأمّ سُنيّة،
وأذكر هذه المعلومة لتوضيح ما تلا من كلام الدبلوماسي الأميركيّ)، فقد تابع ذلك الدبلوماسيّ قائلاً: نحن نريد أن نعرف منك إذا كان هناك علويّون متنفّذون مستعدّون للتعامل معنا عن طريقك؟
يعني، بالمختصر، الأميركيون لم يأتوا بـ"الضيف" ليسمعوا منه محاضرة عن حقوق الإنسان والديموقراطية ودعم الثورة السورية، هم أتوا به كعميل، وليقوم بتجنيد عملاء لهم في سوريا، ويا حبّذا أن يكونوا من الطائفة العلويّة.
دهشتي الكبرى كانت عندما تطور الحديث وقال الضيف: يجب أن تدعمنا أميركا أكثر، وإلّا هل ترضى أميركا أن تصبح إيران على حدود "إسرائيل"؟!
عندما اكتملت الساعة بالدقيقة، نهض الجميع معلنين انتهاء اللقاء.
بدأت أنا بجمع أغراضي في حقيبتي، صامتاً، استعداداً لمغادرة المكان، لأن حِرفيّة مهنتي تقتضي أن لا أباشر أنا في أيّ حديث مع أيّ شخص.
هنا اقترب مني "كبيرهم"، وقال لي بالعربية: أنت من وين؟
أجبته بالعربية: أنا من سوريا.
قال: من وين من سوريا؟
قلت له: من مصياف، هل تعرف مصياف؟
وفجأة، برم لسانه، ومد يده مودعاً وقال: well done.

* بقلم الصديق المحترم Morhaf Almir Mahmoud.

نقلاً عن صفحة الكاتب صالح العاقل