الرئيس الأسد المثقف النوعي العميق
2024.08.27
خالد العبود
-تشعرُ بالاجهادِ الثقيلِ والمتعةِ الغريبةِ، وأنتَ تلاحقُ الرئيسَ الأ.سد، خلالَ اطلالاتِهِ الحواريّةِ أو خطاباتِهِ التي تتعلّقُ ببعضِ المناسباتِ، وبخاصّةٍ وهوَ يقاربُ طروحاتِهِ المعرفيّةَ بشكلٍ عموديٍّ حادٍّ، غيرَ مستكينٍ أو مأخوذٍ، بكلِّ المقارباتِ الأفقيّةِ التي ينحازُ لها السياسيّونَ، أملاً بمحاكاةِ مشاعرِ وعواطفِ الجماهيرِ، أو سعياً إلى استمالةِ أنساقٍ أو اصطفافاتٍ أو تيّاراتٍ سياسيّةٍ بعينِها!!..
-تشعرُ بالاجهادِ والمتعةِ في آنٍ معاً، وتستولي عليكَ قناعةٌ مطلقةٌ، أنّكَ أمامَ مثقّفٍ نوعيٍّ عميقٍ جدّاً، ولستَ أمامَ سياسيٍّ ذي اصطفافٍ حادٍّ، لفريقٍ سياسيٍّ، أو لنهجٍ سياسيٍّ محكومٍ بغاياتٍ وأهدافٍ محدّدةٍ، إذ أنّهُ يقاربُ المفاهيمَ والعناوينَ التي يطرحُها، من منطقةٍ محايدةٍ، تاركاً لكَ مساحةً كافيةً جدّاً، كي تمارسَ حقَّكَ في أن تقولَ لهُ: "لا"، في كثيرٍ من المعاني والمفاهيمِ التي يحاولُ محاكاتها، لكن سرعانَ ما يغلُقُها، أو يربطُها، بطريقةٍ غايةٍ في الدّقةِ والموضوعيّةِ والاحكامِ، لتجدَ نفسكَ منحازاً لتلكَ النتائج غيرِ المتوقعةِ!!..
-لم يكن خطابُ الرئيسُ الأسد أمامَ مجلسِ الشّعبِ في افتتاحِ الدّورِ التشريعيِّ الرابعِ، خارجَ هذا المنهجِ الذي يتقنُهُ ويسعى له سيادُتُهُ، ولعلّهُ كانَ الخطابَ الأكثرَ عمقاً في هذهِ المنهجيّةِ، لجهةِ التركيزِ على تحريكِ المفاهيمِ وتعنيفِ السائدِ والمستقرِّ منها، وهوَ سائدٌ ومستقرٌّ نتيجةَ تحوّلِهِ إلى جزءٍ من "تابوهاتِ" الدّولةِ والمجتمعِ، وليس باعتبارِهِ كانَ فكرةً أو أداةً في خدمةِ الدّولةِ والمجتمع!!..
-لقد ساقَ سيادتُهُ محدّداتٍ هامّةً جدّاً، وتحديداً في القسمِ الذي تعرّضَ بهِ إلى مؤسّساتِ الدّولةِ، ثمَّ إلى موقعِ هذهِ المؤسّساتِ على خارطةِ قرارِاتِ الدّولةِ، أو على مستوى إنتاجِ سياساتِها، وفي مقدّمتها مجلسُ الشّعبِ، ثمَّ إلى الدورِ والمنهجِ والسّلوكِ الذي يؤدّي إلى النّهوضِ بالدّولةِ والمجتمعِ، بعدما تعرّضا إلى تعرّضا له، إنْ كانَ على مستوى العدوانِ الكبيرِ عليهما، أو على مستوى كتلةِ العطالةِ الكامنةِ التي كشفها هذا العد.وانُ الخطيرُ!!..
-كما قامَ سيادتُهُ بفعلِ انزياحٍ كاملٍ، في فهمنا لعلاقةِ المجتمعِ بالدّولةِ، ولعلاقةِ الدّولةِ بالدّولةِ، وبخاصّةٍ في العناوينِ والمفاهيمِ التي سادتْ عقوداً، وهي تأسرنا وتهيمنُ علينا، وعلى كثيرٍ من فهمنا لبعضِ المحدّداتِ السياسيّةِ والاقتصاديّةِ والثقافيّةِ، بدلاً من أن تكونَ أفكاراً ومفاهيمَ مطواعةً خادمةً لغاياتنا وحاجاتنا من الدّولةِ ومؤسّساتها، وتحديداً في تلكَ المفاهيمِ التي قاربَها الرئيسُ الأ.سد، بطريقةٍ تجاوزَ بها الاعتقاداتِ المعرفيّةَ السائدةَ، حينَ نفضَ عن بعضِها ركامَ الأيديولوجيا، وحاولَ تحريرَها ممّا تعرّضتْ لهُ من تبعاتٍ وملحقاتٍ حوّلتْ خطوطاً محدّدةً في هذهِ الأيديولوجيا، كي تكونَ غايةً، بدلاً من أن تكونَ وسيلةً!!..
-تحتاجُ جملةُ هذهِ الأفكارِ العميقةِ المطروحةِ، إلى مزيدٍ من التأصيلِ والمُساكنةِ، وتحتاجُ إلى مزيدٍ من الوعي بها، ومزيدٍ من الفهمِ والإدراكِ لها، كي تُصبحَ جزءاً من الوعي العامِّ لقوى بشريّةٍ تُشكّلُ روحَ تلكَ المؤسّساتِ المسؤولةِ، وكي تصبحَ مداميكَ قويّةً في مفاصلِ الدّولةِ، وصولاً إلى بُنى واقعيّةٍ وحقيقيّةٍ غيرِ قلقةٍ، تغدو رئيسيّةً في تلكَ المؤسّسات، وهذا كلّهُ لا يحتاجُ إلى محاكاةٍ تقليديّةٍ لهذهِ الأفكارِ المطروحةِ، بمقدارِ ما يحتاجُ إلى ورشاتِ عملٍ اختصاصيّةٍ، لا يساهمُ بها السادةُ أعضاءُ المجلسِ فقط، وإنّما يساهمُ بها سياسيّونَ واختصاصيّونَ وأكاديميّونَ ومثقّفونَ!!..