كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حواكير الصبار

محمد صباح الحواصلي
ما زلنا نسير أنا وابن عمي عارف في درب الصبار - هكذا كنت اسمي الدرب المترب الذي يبدأ من موقف الباص عند منعطف الطريق المفضي إلى داريا، وينتهي عند مسبح المزة - ورأيت لأول مرة حواكير الصبار الجافة على يميننا فتملكني شعور بالصرامة والجَلَد والوخز.
اقتربت من ألواح شجر الصبار، وبهرني شكلها المدهش غير الأليف، قال عارف:
"احذر شوك الصبار يا صباح".
"لن أقترب كثيراً.. أريد فقط أن أعاين ألواحه الشوكية.."
اقترب عارف مني وسألني:
"هل ترى حواكير الصبار لأول مرة؟"
قلت:
"لأول مرة.."
وقال عارف، فيما كنا ننظر بدهشة وفضول إلى كثافة أشواكها الطويلة المسننة،
"هل تدري أن بعض الطيور تحتمي بالصبار هرباً من أعدائها. وأن الصبار صبور جداً، يحتمل العيش في الصحاري والمناطق الحارة والجافة دون حاجة لشرب الماء لزمن طويل..؟"
كنت قد ثبَّتُ نظري على لوح تتزاحم على سطحه الأشواك الطويلة، ذاخر بالصمت والصبر والجَلد، وقد تهيأ لي أن له عيوناً ترمقني محذرة متوعدة، وعندما حاولت أن أقترب أكثر قال عارف:
"لو هبت نسمة هواء خفيفة فإنها ستحمل الكثير من أشواك الصبار.. فاحذر."
ثم قال:
"لنتابع سيرنا إلى المسبح.. وسوف نأتي مرة أخرى عندما تحمل أشجار الصبار ثمارها.."
سرنا تحت شمس تموز الحارة، وقد تناهى إلي عن بعد صوت شلال ماء، وكان العرق قد بدأ يتمطى سائراً عبر انحناءات جسدي، وتلهفت نفسي إلى الماء.
وعن بعد، على يسارنا، لاح لي سور مسبح المزة منتصباً في فراغ قبالة حواكير الصبار . وكان بإمكاني أن أرى مجرى مائياً من الإسمنت مرتفعاً، تجري فيه مياه دافقة تنسكب هادرة كالشلال فوق حوض السباحة العميق.
هناك، عند بهاء الماء، وصوت انسكابه الوقور في البحرة العميقة، ورائحته التي تحمل معها ألغاز باطن الأرض ومعادنها، عند الصبح الباكر الواعد ونسماته المزَّاوية الحنونة، عرَّفني عارف على البعيد، وعلمني السباحة: علمني كيف أحزم شجاعتي وأوحدها وأغطس في الماء، وكيف أبقى عائماً على سطحه، وكيف أنظم أنفاسي بين الحيّزين: الفضاء والماء، وأن لكل حيّز قوانينه وشروط البقاء فيه، وكيف أن لكل بداية خطواتها الأولى.
ثم صار، مع مضي أيام ذلك الصيف الغائر في البعد، المتباهي بفرادته أن أصبحت سباحاً، فقد انتقلت في صهد أيامه من بحرة الأطفال إلى البحرة العميقة.
لقد نضجت مع ثمار الصبار التي استوت متزاحمة على ألواحها الشوكية، تعرض ثمارها الحلوة الرطبة، المكتملة الطراوة، بغواية وشوق.
السبت ١٣ حزيران ٢٠١٥
فانكوفر، كندا

(من مجموعته "والله زمان يا شام" التي صدرت العام ٢٠١٧)