خسئتم.. لم نكن "باب الحارة"!
2024.06.07
نبيل فنصة
في مثل هذه الأيام، قبل عقد وعام حزين، رحلت أمى وتركتني مع أيام كالحة من تاريخ سوريا..
وذات حلم.. كنت أحلّق مع ألبومها العتيق، فلفتتني صورة بالأبيض والأسود لأبى واقفًا جوار أمي، وهي تعانق أخي حامد، فيما كانت أختي هند ترتاح بسكينة على حضنها. وكان أكثر مالفت نظري أناقة أبى وأمى، وجمال ملامحهما، شأن جميع الآباء والأمهات فى تلك الحقبة الجميلة!
الصورُة كانت بعدسة المصوّر الأرمنى ديكران، صاحب أشهر استديو للتصوير في حلب حينها...
كان أبى رجلاً وسيماً أنيقاً، وكانت أمى سيدة راقية الملامح. وراحت عيناي تفتش فى جنبات الصورة عن سورية الجميلة، التى غادرتنا، تاركةً من بقايا جمالها، شذرات نهرب إليها فى الصور القديمة بالأبيض والأسود...
وكنت أتساءل: هل فعلاً ان الحياة اليومية تؤثر في ملامح وجوهنا؟!
وهل ملامح الناس (عدا عوامل الزمن) تتبدّل جيلاً بعد جيل، بسبب ما يسمعون وما يشاهدون وما يتعرضون له من ضغوط مجتمعية...
نعم، تتبدّل الملابسُ وفق الموضات، ولكن: هل تتبدّل الملامحُ والقسمات؟!
وربما يفسّر هذا أن معظم آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا كانوا يشبهون جمهور أم كلثوم، والصور التذكارية لحفلات تخرج الجامعات من أهالي وطلاب وطالبات!
في تلك الايام، لم تكن هناك أكياس قمامة تطير من الشرفات، ولم تكن أكوام الزبالة تزكم الأنوف، وكان أخوتنا عمال النظافة يجوبونها بلا كللولا ملل.
كانت أمى تخيط فساتينها في البيت بيد السيدة الأرمنية اوديت من روح أفلام الأبيض والأسود.
لهذا نحب أفلام ايام زمان... أفلام الأبيض والأسود. حيث الفساتين جميلة محتشمة، بسيطة، مميزة..
وأنا أتصفح ألبوم صور أمى القديم، كنت أتساءل ماذا جرى لنا؟ مالذي غير مجتمعنا الجميل؟ ماذا فعلت بنا سنين الحرب الجائرة على سوريتنا؟
هل هي (النوستولوجيا) نعيشها.. أم حقيقة يجب أن لاننكرها؟
كنا فى زمن بسيط، ونظيف. وندرة من كان يجرؤ على توجيه كلمة نابية الى فتاة تسير بأدبها ولباسها المحتشم في الشارع!
.
أيامها، وفي ستينات القرن الماضي، كان الحجاب أقل من اليوم بما لايقاس..
ولكن لم تكن سراويل البنات تبرز تفاصيل الأوراك، ولم تكن ممزقة تكشف نصف الساقين، ولم تكن القمصان ترسم بكل وقاحة تفاصيل النهدين، ولم تكن سراويل الشباب تكشف عن نصف مؤخراتهم، ولم تكن المقاهي تعج بطفلات محجبات كاسيات عاريات رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، ينفثون سموم الاركيلة بجرأة يفتقدها الذكور..
وحتى أغنى الأسر لم تكن تعتمد الفليبينيات والأندنوسيات كمربيات لأطفالهن، فيما هن يسرحن في السبتيات والأحديات ودروس التوجيه على يد الآنسات!
.
- لم تكن سيداتنا "نسوان" "باب الحارة".. ولا رجالنا قبضايات يحملن الخناجر.. كما حاول بعض المغرضين تصوير كل مجتمعنا النبيل!
.
رحمك الله يا أمى، حتى بعد أن تحجبت رسمياً كأكثر السيدات والبنات في السبعينات والثمانينات، حتى التسعينات حيث اكتمل النصاب كانت تقول:
- التحضر ثقافةٌ.. لا في اللباس.... الفضيلة فى الدماغ.. لا في الحجاب!
.
فأقفلت الألبوم وأنا أدعو:
.
سلامتك اسورية.. ألف سلامة!!