سوالف عن آل الماغوط..
2024.05.19
نصر شمالي
من سوالف أيام زمان..
تذكرت هذه السوالف عن آل الماغوط الأحباء الأعزاء..
في عقد الستينيات كنا نعمل معاً في مؤسسة الوحدة أنا والشاعر المرحوم صدر الدين الماغوط (١٩٤٣ - ٢٠٠٦)، وقد حدثت بيننا مشادة كادت تتطور إلى ما لا تحمد عقباه، وكان هو السبب وهو البادىء، وتلافيت بصعوبة تطورها، ودفنتها في لحظتها وفي مكانها، وقد توقع صدر بعدها أنني قطعاً سأنهي عمله وقد كنت مدير المؤسسة، ولذلك تمادى في موقفه العدائي مني أمام الغير، ومن جهتي فقد اعتبرته خلافاً شخصياً لا علاقة للعمل به أبداً، وفهم صدر الدين موقفي من بعيد، وحاول أن يصلح موقفه.. حاول تكرارا أن نلتقي في مكتبي.. فرفضت بحزم..
وبعد مدة أرسل إلي رسالة مطلعها: "الحنون القاسي أبو مصعب.."! وصرنا "أعز الأصدقاء"!
وعندما تعرضت لاحقاً لأخطار عامة مخيفة حقا، قصدني وعرض علي مباشرة مساعدته قائلاً أنه مستعد للموت!
وفيما بعد، في أواخر العام ١٩٧٠، جمعتني زنزانات سجن المزة العسكري بأخيه الأكبر أبو طريف الماغوط (نسيت اسمه الأول للأسف).. كانت زنزانتانا الانفراديتان متجاورتين، وكان رحمه الله في زنزانته يردد الأناشيد الوطنية والقومية بصوت عال..
وفيما بعد، في العام ١٩٧٢، كنت أعيش ظروفاً عامة شديدة القسوة، بل مروعة، فأعددت روايتي "الأيام التالية" في تلك الظروف الفظيعة، وطبعتها ووزعتها! وكان صدر الدين الماغوط شديد الإعجاب بها، وكتب عنها في الصحف اللبنانية، وجاءني يبلغني أن قريبه الشاعر الكبير محمد الماغوط (١٩٣٤ - ٢٠٠٦) يدعوني لاحتساء القهوة في مكتبه، وقد كان حينئذ رئيس تحرير مجلة الشرطة، فلبيت الدعوة، وكانت تلك أول مرة أقابل فيها محمد الماغوط، الشاعر الكبير المنطوي، المزاجي، الشديد الحساسية واللاذع الانتقاد..
وفي تلك الزيارة كان محمد يغافلني مختلساً نظرات سريعة إلى وجهي من تحت نظارتيه ومن خلف مكتبه.. نظرات مفعمة بالمودة الواضحة الصادقة.. وقد أبدى إعجابه بالرواية بكلمتين لا أكثر، وبإيماءات سريعة من رأسه تعني الرضا والاستحسان، وقال أنه يملك الصلاحية لشراء عدد من النسخ لصالح مجلة الشرطة، وكان ذلك.. وبالطبع، هو أراد المساعدة في تغطية نفقات إصدار الرواية، وهي النفقات التي بقي معظمها أقساطاً لمصرف التسليف الشعبي سددتها زوجتي أثناء غيابي الثاني الطويل في السجن.. الخ.. الخ!