كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

على مقعد في الحديقة

نصر شمالي

 في مثل هذا اليوم من العام2017، أي قبل سبعة أعوام، غادرت البيت على مضض مكرها نفسي، وتمشيت قليلاً، ثم جلست في حديقة الحارة على المقعد الخشبي الطويل الوحيد الذي وجدته خالياً.. وما هي إلا دقائق حتى انتصبت أمامي واقفة سيدة كهلة ضئيلة شاحبة ساهمة بائسة الوجه والمظهر، وأشارت بيدها إلى الفراغ على المقعد بجانبي واستأذنتني مغمغمة إن كان بإمكانها أن تجلس، فقلت لها: "تفضلي"، وسرحت بنظري بعيداً، وخطر لي أنها سرعان ما ستفتح معي حديثاً يتعلق بحاجتها، وخطر لي أيضاً (أعترف) أن أنهض وأمضي مبتعداً قبل أن يحدث ما أتوقعه!
وبالفعل، لاحظت أنها تختلس النظر إلي وتستعد للكلام، ثم تمتمت: "رأيتك من بعيد وتوقعت أني أعرفك، وخطر لي أن أسلم عليك.. أنت.. المستقبل؟ دار المستقبل؟ مكتبك كان في الصالحية؟".. كانت تتحدث بتهذيب وبنبرة هادئة مستقرة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض ولا انفعال! قلت وأنا أتمعن في وجهها المستقر على حال من البؤس الدامغ، محاولاً تذكرها: "نعم ، أنا هو، ومن حضرتك؟"..
قالت: "لن تتذكرني.. عملت في مكتبكم في التنضيد الطباعي..".. قلت: "كان هذا قبل سنوات طويلة.. في الثمانينيات أو التسعينيات؟".. قالت : "نعم.. عملت لفترة قصيرة.. لشهر أو شهرين.. فأنا كنت مدرسة، وكنت أحتاج لعمل إضافي..".. قلت: "والآن، أين تعملين؟".. فطوحت بذراعها وأشارت برأسها أن لا عمل، وقالت أنها تقدمت في السن ولا أحد يقبل تشغيلها، لا في التدريس ولا في التنضيد الطباعي"!
وبينما هي تتحدث باقتضاب وبنبرة ثابتة مستقرة وباختصار شديد وتهذيب عال، أقبل نحونا كهل لا بأس بمظهره وهندامه، ولوح أمام عيني بعلبة مناديل ورقية وهو يبتسم ابتسامة اعتذار! فأعطيته مبلغا يعادل قيمة بضاعته أو يزيد، فابتسم ابتسامة شكر، ومضى صامتاً دون أن يترك لي علبة المحارم لأنه فهم أني لا أريدها!
أما السيدة الكهلة فكانت تتفرج صامتة، هادئة، ثم سألتني: "هل ما زلت تكتب؟".. أجبتها: "أين أكتب؟".. فهزت رأسها متفهمة، وعادت تسألني: "ألن تغادر البلد.. إلى الخارج؟".. قلت: "لن أغادر، باق هنا، حياً أو ميتاً"!.. فقالت: "هناك من يقولون ما قلته أنت بالضبط.. هل تريد فنجان قهوة؟".. فصدمت، متفاجئاً بعرضها القهوة، وقلت أنني لا أريد، وتساءلت بيني وبين نفسي: أية قهوة؟ ومن أين القهوة في هذه الحديقة العامة؟ هل هي دعوة لي إلى مقهى؟!..
نهضت السيدة فجأة، فنهضت بدوري وسألتها بمنتهى الاحترام والصدق: "هل أستطيع أن أساعدك؟ هل يمكنني أن أفعل من أجلك شيئاً؟".. قالت، وقد كسا وجهها ظل ابتسامة شديدة الحزن: "شكراً.. سررت برؤيتك.. أردت أن أسلم عليك فقط".. وودعتني وانطلقت متوجهة إلى بقالية قريبة، فتذكرت أن البقاليات صارت تبيع القهوة الساخنة في فناجين كرتونية! وصعقني سوء ظني، وأسرعت إلى البيت أتوارى فيه مشحوناً بالندم والتأثر والانفعال!