الظالم العادل
2024.01.30
إحسان عبيد
في المرحلة الإعدادية، كان مدير مدرستنا في ناحية القريا اسمه "عمر عبيد" من نواحي قطنا أو القنيطرة، و يدرسنا مادة التربية الإسلامية.. كان يحمل في يده دائما طبشة عرض 4 أصابع بطول حوالي 40 سم.. كان الطلاب وحتى الأساتذة يخافونه.. فالطالب المتأخر على طابور الصباح جزاؤه 4 عصي، ومن يغيب يوما كاملا 8 عصي.
.
غاب زميلنا نايف قطيش يوم السبت، وجهز نفسه للعقاب صباح الأحد.. ناداه المدير كي يخرج من الطابور ويقف جانباً.. فخرج ووقف.
.
وبعد تلاوة النشيد السوري (لم يكن وقتها ترديد الشعار: أمة عربية واحدة.. أهدافنا..) دخل الطلاب.. جاء المدير إلى نايف وقال له: ليش كنت غايب؟ افتح يدك.. قال نايف: ممكن تسمعني دقيقة؟..
.
قال المدير: شو بدك تحكي؟
.
قال نايف: إن والدي يريدني أن أترك المدرسة، وأخذني معه أمس وأمس الأول في العطلة لأساعده في جلب بندك شيح ثمنه ليرتين وهما لمصروف الأسبوع وأجار الباص وشراء دفتر رسم وصمغ وأوراق تلوين ودفتر موسيقى، ثم خرج بقرار أن أترك المدرسة وأبقى معه لأساعده، ولولا توسط أمي لما جئت اليوم.. فإذا أردت أن تضربني دعني أعود إلى البلد لمساعدة الوالد، أو سامحني لأن غيابي كان فوق إرادتي.
.
سكت المدير لحظة، ثم قال: رح إلى صفك يا ابني.
.
في الفرصة الأولى جاء من يقول لي: كلم المدير.. ذهبتُ.. قال لي: ياعبيد أنت تسكن مع نايف قطيش وكمال السغبيني ومرسل الدبيسي بغرفة واحدة عند بيت رعد (كان يعرف عناوين جميع الطلاب وأين يسكنون، وكان يأتي بكبسات ليلية على بيوت الطلبة صحبة أستاذ آخر فلسطيني اسمه خليل مجدلاوي) قل لي: ماهو الوضع المادي لنايف قطيش وهل أهله فقراء؟ قلت: نعم أستاذ إنهم فقراء.. قال ماهو مصروفه الاسبوعي؟ قلت لا أعرف لكنه يذهب ماشيا للقرية في نهاية الأسبوع لأنه لا يتوفر معه ربع ليرة أجرة الباص.. قال: ما ذا يأكل.. قلت إنه يجلب معه 6 بيضات كل يوم يأكل بيضة، وسطل شنينة وخبز.. قال رح وناديه ليأتي إلي.. ذهبت وناديت نايف ليقابل المدير.
.
أخذه المدير إلى أمين السر وقال له: إعط هذا الطالب ملابس رياضية: شورت وقميص وحذاء دون مقابل، ولا تطالبه بالنشاط الكشفي وأعفه من أية تبرعات مدرسية.. رح يا ابني على صفك.. وإذا أصرّ أبوك على إخراجك من المدرسة أرسل لي خبرا مع أحد زملائك.
.
عندما نرى واحدا كالأستاذ عمر يعامل الطلبة دون تمييز، ننسى قسوته.