كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

صداقة بعد خناقة

إحسان عبيد

 في دمشق كنت أعمل في الجريدة، وكنت أدرس في الجامعة أيضا.. دراستي أكسبتني صداقات بعض الزملاء والزميلات، وعملي الصحفي أكسبني معارف وصداقات معظمهم من موظفي وموظفات دوائر الحكومة.
.
ذات يوم دخلتُ صحبة صديقة على مطعم اللاتيرنا في الصالحية لتناول الغداء، تجولنا حول البحرة لنجد طاولة، فوجئنا بفتاتين إحداهما صديقتنا.. إنها "رضا" التي تحولت فيما بعد إلى رجل، وقد حدثتكم عنها.. وصديقة رضا التي تجلس معها لا نعرفها.. سلام وكلام واستغراق في لوم وعتاب بين صديقتي ورضا.. طال الوقت وأنا ملكوع لا أحد يكلمني وكذلك صديقة رضا التي كانت تتصفح مجلة رافعة إياها بحيث لا أرى وجهها بوضوح.. وكأنهما نسيتانا نحن الاثنين.
.
بعد حوالي ربع ساعة، استفاقت صديقتي على إهمالها لي ولصديقة رضا، وصارتا تعتذران مع الضحك.. قلت لها: لاعليكما.. تحدثا كما ترغبان، أنا شخصيا بغاية الراحة والإستئناس.. قالت صديقتي: هذه الصبية تتسلى بالمجلة، وأنت بماذا تتسلى؟ أنا أتسلى بالنظر إلى سيقانها الجميلة (خاصة وأنها تضع رجلا فوق رجل)، طالما أنها تحجب وجهها عني بالمجلة.
.
ضحكت رضا وصديقتي وكأنهما تنتظران ردة فعل أم السيقان، ثم قالت صديقتي: ما هذه الجرأة؟.. اعتدلت الفتاة القارئة في جلستها.. أغلقت المجلة وقالت بهدوء.. ألم يلفت نظرك سوى رجليّ؟ ألم تفكر بالنظر إلى فهمي وثقافتي وما أنطوي عليه؟ ثم مالفرق بينك وبين أولئك الذكورالذين يلطشون ويصفرون للبنات في الشوارع؟
.
شعرت أنها معها حق، وحشرتني بالزاوية، في وقت كانت فيه رضا تنتظر إجابتي واستشعرت التشفي من صديقتي.. قلت:
.
أولا: إن جميع من يمشي في الشارع عندهم نداء مكبوت مثلي لا يجرؤون على البوح به، نستثني منهم من يتجاوزن الحدود بالتلطيش والصفير لأن هكذا تصرف يحتاج إلى شيء من الأدب.
.
ثانيا: أنا لم أكن أن أبوح بمكنوني لو لم تطلب ذلك هاتان الصبيتان الخبيثتان.. (صارتا تضحكان).
.
ثالثا: لو دخل جماعة إلى غابة جميلة.. فالمخرج السينمائي يرى من الغابة مناظرها وما يخدم لقطاته في الفيلم.. والراعي يرى منها مايهمه من الكلأ والمرعى لماشيته.. والصياد لايرى منها سوى الطيور وطرائد الصيد، والحطاب لا يرى سوى حطبها، والحبيبان يستغرقان في الكسدرة والرومانسية بين الشجر.. وأنتِ لم أر منك سوى رجليك فماذا عساي أن أفعل.. هل أجرمت إذا تكلمت الحقيقة؟
.
ضحكت الصديقتان ضحكا عاليا، وقالت لها رضا: اخرسي ولي ماعندك جواب.. الزلمي حكى الحقيقة وما شايف منك غير رجليك الحلوين.. ابتسمت أم السيقان الجميلة، وقالت: عجيب كيف خلّص حالوا.. جلسنا وطالت الجلسة.
.
بعد يومين دخلت أم السيقان على مكتبنا (كانت مكاتبنا بجانب التجهيز وفندق أمية.. وسط المدينة).. كنا أربعة محررين.. وقفت بقامتها الفارعة وتنورتها القصيرة (الميني جوب)، وقالت موجهة الكلام لي وأنا مندهش: أنتو بستقبلوا الزوار بلا موعد.. رحبت بها.. نهضت جالبا لها كرسيا في حين قال لها ابراهيم ياخور (والد الممثل باسم).. وهل أحد يرفض حسناء مثلك تزّين المجلس.. قلت له: ابراهيم: دارِ دعستك.
.
شربنا القهوة ثم أوصلتها إلى بيتها في "الشهبندر" مشيا على الأقدام بناء على طلبها.. تحدثنا الكثير.. وراحت صداقة بعد الخناقة.
.
قد لا يعجب هذا البوح بعض الأصدقاء، ولكن هذا شيء مما حصل أيام الشباب.