كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

"الشوكولامو" مقياس حضارة!

خالد العبود

نعم..
     "الشوكولامو" مقياس حضارة!!..
-هي مراحل ولحظات تمرّ بها الأمم والشعوب، تحكمها قوانين لا تختلف عن قوانين الرياضيات والفيزياء، وهي قوانينٌ عامّة، ومطلقة، ليست خاصّة بأمّةٍ معيّنةٍ أو شعبٍ محدّد، إنّها قوانين صارمة، تحكم الشعوب والأمم بكل دقّةٍ وإحكام وعدلٍ، وهي ذاتها القوانين التي تحكمنا اليوم، بكلّ تفاصيل حياتنا، ولكنّنا في أحيان كثيرة لا ننتبه لها بشكلٍ دقيقٍ، أو بشكلٍ كاملٍ!!..
-وفق تلك القوانين، طبيعيٌّ جدّاً ما نتابعه في بعض وسائل التواصل والتخاطب، وبعض ما نسمعه في الثقافة والإعلام والفنون، فهو واقع حقيقيّ لا ينفصل عن واقع الأمّة معرفيّاً أو فلسفيّاً، فعندما تتراجع الشعوب على هذين الصعيدين تحديداً، تتراجع الحكمة لدى أبنائها، وينعكس ذلك على طاقاتها وطاقة أفرادها، في المحاكمة وفي آليات التفكير، وتنحسر الرؤى وتنعدم أساليب الإبداع، وتتآكل إمكانيات كثيرٍ من المثقّفين، وتتسطّح مداركهم، وينكمشون حتى يتساووا مع العامّة والدهماء!!..
-الشعوب المأزومة معرفيّاً وفلسفيّاً، لا تمتلك مراكز أو برامج ثقافيّة حقيقيّة، ولا تعنيها مراكز الأبحاث والدراسات، وتتعامل معها باعتبارها مؤسّسات ضروريّة لاستكمال دورة الدولة، وليست مؤسّسات لاستكمال دورة المعرفة، فتتراجع الثقافة الوطنيّة والإنسانيّة عند الكثيرين، لتصعد ثقافة الأزقة والحواري، فتصاب الغالبية بلوثة الفاقع والسطحيّ واللحظيّ، ولا تعود معنيّةً بالعميق من الأفكار، ولا بالعميق من الأسئلة، فتعيش بسذاجةٍ قاتلةٍ، وتختلف على البديهيّات والمسلمات، وتنسحبُ رويداً رويداً كي تعيش في الماضي، وتجترّ من جديد صراعات أو انتصارات قديمة، بحثاً عن قيمة ذاتيّة مضمونة لها!!..
-والشعوب المأزومة معرفيّاً وفلسفيّاً، تتحوّل الأوطان عند غالبيّة أبنائها إلى وسائل، والقيم إلى "مكياج" للضمير، تستعمله في المناسبات الأخلاقيّة، وفي حفلات التعارف ودور "الأوبرا"، وتصبح المعاني السامية لديها، "أكسسوارات" للزينة، ترتديها في استقبال الضيوف وأفراح الأصدقاء، وتتصدّع علاقاتها العامة، فتتجاوز الإنسانيّ لتعيش يومها بفردانيّة غرائزيّةٍ شديدة!!..
-والشعوب المأزومة معرفيّاً وفلسفيّاً، تتسطّح لديها المفاهيم، وتتداخل العناوين، فتوصف القيم والأهداف الوطنيّة بالخشبيّة، والخارجة على المنطق والواقع، ويصبح المتمسّكون بها والمدافعون عنها، يوصفون بالمغامرين والمجازفين والحالمين وغير الموضوعيين، فتتشظّى الهويّة إلى هويّاتٍ متخيَّلَةٍ، ويتصدّع الانتماء إلى انتماءاتٍ بدائيّة وغرائزيّة، ويتكسّر سلّم الأولويات والقيم، فيصبح الاحتيال شطارة، والنصب "فهلوة"، والخيانة رأياً، فيُعاب الصادق والنبيل والعصاميّ والأمين، وتدانُ الأمانة والنخوة والرجولة والبسالة والتضحية!!..
-عندما تصبح الشعوب كذلك، لا يوجد لها موّلد وباعث معرفيّ وفلسفيّ كافٍ، لتوطين القيم العامة لديها والدفاع عنها، تضيع القضايا والأهداف، ويضيع المنطق، فيخرج علينا من يدافع عن "الفوضى" باعتبارها "الثورة"، والقتل والذبح باعتباره جهاداً، ويخرج علينا من يدافع عن أهداف "سايكس - بيكو"، باعتبارها جزءاً طبيعيّاً من سياق تاريخيٍّ موضوعيّ!!..
-وعندما تصبح الشعوب كذلك، لا يوجد فيها منتجٌ معرفيٌّ بنّاءٌ، يوازي ويحاكي تطور حركتها، وفهم صيرورة وجودها التاريخيّ، يصبح طبيعيّاً أن يخرج علينا من داخل سوريّة، من يقول بأنّه لا يوجد تجانسٌ اجتماعيٌّ بين السوريّين، ويقسّمهم بين "سوريّين ديارنة"، نسبة إلى محافظة دير الزور السوريّة، وبين "سوريّين طراطسة"، نسبة إلى محافظة طرطوس السوريّة مثلاً، وصولاً إلى تقسيم الدولة أخيراً، كذلك يصبحُ طبيعيّاً أن يخرج علينا من داخل لبنان أيضاً، من يدعي بأنّه لا يعتقد أن هناك تجانساً فيما بين اللبنانيين، فيراهم غير متشابهين، وهم لا يصلحون بالتالي أن يكونوا في دولة واحدة!!..
-ويصبح طبيعيّاً أن يخرج علينا أيضاً، من يقيس نفوذ الدول وكفاءتها ومكانتها وقدرتها، برواتب وأجور موظفيها والعاملين فيها، حتى تُطرح أسئلة ساذجة جدّاً، بمستوى ابتذال وغباء وطنيّ شديدٍ، خلاصتها:
           "كيف يمكن لمواطنِ دولةٍ، يكون راتبُهُ عشرين دولاراً، أن يحرّر مواطنَ دولةٍ محتلّةٍ، راتبُهُ خمسمائة دولاراً؟!!..
فتصفّق له الناس، وتتسابق للبناء على ما ساقه، أو ما قاله، تماماً مثلما كان يُطرح، في مراحل عصور انحطاطٍ سابقة، مرّت بها الأمّة، إذ كان يقال:
          "كيف يمكن لمسلمٍ أن يصلّي، إذ كان في طائرة، والطائرة صادف مرورها وقت الصلاة، فوق الكعبة المشرّفة"؟!..
-ويصبح طبيعيّاً أن يخرج علينا البعض، كي يطالب بأن يكون جزء من قمح الحسكة لأهل الحسكة، قبل أن يذهب إلى الدولة، أو أن يطالب بجزءٍ من مدخول ميناء اللاذقية لأهل اللاذقية، قبل أن يكون مُلكاً عامّاً للسوريّين، أو أن يطالب بقسم من واردات النفط، لأهل دير الزور، باعتباره يُستخرج من الأراضي الإداريّة للمحافظة، قبل أن يذهب إلى الخزينة العامة للدولة!!..
-ويصبحُ طبيعيّاً أن يخرج علينا من يتّهم ثلاثة أرباع السوريّين، بأنّ أصولهم "تركمانيّة"، علماً أنّه ينادي بدولة "علمانيّة"، أو أن يخرج علينا من يتغنى بديمقراطيّة مرحلة الخمسينيات في سوريّة، وما عناه أو همّه أبداً، أن تكون الدولة يومها ماخوراً سياسيّاً لأصحاب مشاريعَ وصائية واستعماريّة واستيطانيّة!!..
-ويصيرُ طبيعيّاً، نعم.. طبيعيّاً جدّاً، أن يخرج علينا مثقّفون ومفكّرون وإعلاميّون وسياسيّون، في هذه المرحلة بالذات، كي يضعوا لنا مقاييس ومعايير معرفيّة وفلسفيّة جديدة، تكون تماماً بمستوى مياعتهم أو شذوذهم، وكي يجعلوا من "الشوكولامو"، على سبيل المثال، مقياس حريّة، أو مقياس مواطنة، أو مقياس معرفة، أو مقياس كرامة، أو مقياس حضارة، أو حتّى مقياس إنسانيّة!!..