كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

يوميات مغترب سوري في السويد

معن حيدر:

يصادف، في بعض أيام الخميس، أن أصطحب حفيدتي ماريا بعد الظهر إلى مدرسة الموسيقى، حيث تتلقى تدريبها الأسبوعي لعزف الكمان (القيثارة)، عندما يكون والداها مشغولين في العمل أو الدراسة.
أذهب لبيتهم فأجدها تنتظرني أمام البيت بكامل أهبتها وقد علّقت حقيبة الكمان على ظهرها، أمسك بيدها ونمشي باتجاه مدرسة الموسيقى
نتعامل كصديقين يحترمان بعضهما، مع اعتبارات فارق العمر
تحكي هي طول الطريق، ويا ويلي إذا حكيت أنا أو قاطعتها، تحكي عن مدرستها ومعلماتها ودروسها وزميلاتها وزملائها: لعبهم وخططهم ومخططاتهم وكيديّاتهم، وتذكر لي أسماءهم، ويا ويلي كمان إذا نسيت اسم حدا منهم.
هي في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة تدرّس باللغتين السويدية والإنكليزية، تتقن اللغتين، بالإضافة للعربية طبعا، تحب الرسم والتصميم.
نصل إلى المدرسة فتدخل هي إلى الصف، وأجلس أنا على مقعد في الردهة أنتظرها.
في العودة، ووفق اتفاق سرّي بيننا (جنتلمن أغريمنت)، نعرّج على سوبر ماركت إيكا لشراء (شغلة واحدة بس) غالباً ما تكون شوكولا، بل دائماً.
في السويد الشوكولا ومتفرّعاتها من البسكويت و(السكاكر والشطّي مطّي) وغيرها، تأتي تحت مسمى (غووديز)، وكانت أحد مكوّنات ثقافة الغذاء الهامّة لدى السويديين كباراً وصغاراً، إلا أنهم منذ فترة انتبهوا لضررها على الصحة والأسنان خاصة للأطفال، فبدأوا حملات توعية في المدارس وللأهالي أن يقتصر تناولها يوم السبت فقط من كل أسبوع وبكمية محدودة.
ومن هنا جاءت سريّة الاتفاق بيننا، لأنّ أمّها هي التي تنال التأنيب من طبيب الأسنان.
مدرسة الموسيقى تتبع البلدية، مبناها كبير ومتعدد الطوابق، فيه صفوف وقاعات تدريب كثيرة، وفيه مسرح يتّسع لألف شخص تقريباً، تقام فيه حفلات موسيقية على مدار السنة. حضرنا فيه أكثر من حفلة لفرقة طلاّب المدرسة نفسها.
في أول زيارة تعرّفتُ بعد انتهاء الدرس على الأستاذ، وهو رجل خمسيني لطيف ومحترم. حدّثني بالسويدية فاعتذرتُ منه وسألته إذا كنت أستطيع التحدّث بالإنكليزية، رحّب بذلك وقال لي إنّ زوجته إنكليزية وهما يتحدثان في البيت باللغتين. المهم قال لي إنّ عزف ماريا يتحسّن كثيراً بسبب تدربّها في البيت فيجب أن تتابع ذلك حتى تستمر في تقدّمها بالعزف.
مشكلتي مع اللغة السويدية لا تكمن في الجانب النظري، أي القراءة والكتابة، فقد وصلتُ لمرحلة مقبولة، بل ربما متقدّمة قليلاً، لكنّها تكمن في الجانب العملي، أي التحدّث، ويعود سبب ذلك للذاكرة والسمع، كي لا أقول تقدّم العمر، ولعدم استخدامها بشكل يومي. أيضا صعوبة نطق بعض الأحرف الصوتية، وهي أكثر منها في العربية والإنكليزية.
في الزيارة الثانية، وأثناء فترة الانتظار في الردهة، قرّرتُ التحدث مع الأستاذ باللغة السويدية، فأخذتُ أستعيد الكلمات وأركّب بعض الجمل التي يمكن أن تكون محور الحديث.
بدأ الأستاذ حديثه باللغة الإنكليزية إلا أنّي حوّلته إلى السويدية، تحدّثنا قليلا (كام جملة) لاحظتُ خلالها أنّ حفيدتي حاولتْ إخفاء ابتساماتها أكثر من مرة بوضع يدها على فمها وهي تنظر لي.
في طريق العودة سألتها: هل كان حديثي بالسويدية جيداً؟
قالت لي: جدو .. معليش أحكي.. أنت خربطت..
كنت تخلط الإنكليزي بالسويدي، تقول She بدل Hon، وكنت تلفظ O بدل Ö.... وكمان..
وقبل أن تُكمل، قلت لها: طيب خلص خلص.. خلي هالشي سر بيناتنا... وإذا حكيتي بحكي أنا.
وعدتني ألّا تحكي، فاشتريتُ لها هذه المرة من إيكا (شغلتين مو شغلة واحدة)
إلّا أنها بمجرّد وصولها إلى البيت نادتْ لأخيها: معن تعا لقلك هالشغلة وأخذته إلى غرفتهما.
علمتُ لاحقاً أنها أسرّت لأخيها بذلك، فصدّها مدافعاً عني:
ما بصدق.. أصلاً جدك لغتو منيحة وما بخربط.
لا أدري لماذا تذكّرتُ حينها قصة الرجل الذي تنطّح وصعد إلى المنبر ليخطب خطبة الجمعة فخلط عبّاس بدبّاس.