كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

هل ما زال المالُ.. أداةَ عدوانٍ على السّوريّين؟!

خالد العبود:

-ما زال المالُ أداةَ عدوانٍ فاعلةً، في كلّ مستويات المواجهة وفي كلّ مراحلها، وهي مستويات متعدّدة ومتنوّعة، لكنّ المتغيّر الوحيد فيها شكل صرف هذا المال، وآلية استهداف السّوريّين به..
-إنّ هذا المال استعمل في العدوان على السّوريّين، قبل بداية عدوان "الربيع العربيّ"، حين عمدت بعض أجهزة الاستخبارات الأجنبيّة، على اختراق النخب السوريّة، ولسنوات عديدة، من خلال عمل أمنيّ ناعمٍ وباردٍ ومركّبٍ جدّاً، اجتاح كيان هذه النخب، بأكثر من عنوان وأكثر من مستوى!!..
-لقد انتبهت أجهزة استخبارات ومراكز أبحاث دول العدوان، إلى كامل مكوّنات الشعب السّوريّ، فهي في الآن الذي اشترت فيه جزء واسعاً من "دهماء" السّوريّين، وتحديداً بالمال، كانت قد عملت عميقاً على تحضير مساحاتٍ واسعةٍ، تحاكي فيها رغبات ومصالح وأطماع بعضِ النخب والمثقفين!!..
-ففي نظر أطراف العدوان، وأجهزة استخباراتهم، كانت التجربة المصريّة بتوقيع اتفاقيّة "كامب ديفيد"، درساً هامّاً في فلسفة انحياز النخب لشعوبها ودولتها، والدفاع عن أمنها واستقرارها وأولوياتها الوطنيّة، وذلك عندما لم تستطع "كامب ديفيد" اختراق جيوش المثقفين والنخب المصريّة، وتأمين غطاء ثقافيّ - اجتماعيّ - سياسيّ، لتطبيع الشعب المصريّ مع كيان الاحتلال!!..
-لم تستطع "كامب ديفيد" إيجاد سوق مصالح، تسحب أنساقاً من النخب إليها، أو تشتريها من خلالها، فبقيت منحازة هذه النخب إلى شعبها ومواطنيها، وبقيت ترفض كلّ تبعات وملحقات التطبيع في هذه الاتفاقيّة، وعليه فقد بقيت مصر الشعبيّة بعيدةً عن "كامب ديفيد"!!..
-لهذا فإنّ من أعدّ العدّة لاجتياح وعي السوريّين، مهّد له باختراقات هائلة ومتنوعة، من خلال التواصل منذ منتصف عقد التسعينيّات من القرن الماضي، مع كثيرٍ من النخب السّوريّة، هذه النخب التي بدأت تغريها جلسات السفارات والدعم الثقافيّ الكبير الذي أبدته ملحقاتها الثقافيّة، وذلك بعد انتهاء ظلّ الاتحاد السّوفياتيّ!!..
-وصل الأمر أن وجهت بعض السفارات الدعوات لمئات الأسماء المعروفة من النخب السوريّة، وتحديداً السفارة الأمريكيّة في دمشق، لزيارة الولايات المتحدة، إضافة لبعض الدول الغربيّة، وساهمت وموّلت هذه السفارات تلك الزيارات تمويلاً كاملاً، حتّى أنّ بعض هذه الوفود التقت خلال زياراتها بجماعات يهوديّة، طرحت في هذه اللقاءات إمكانيّة التطبيع الثقافيّ والاجتماعيّ مع كيان الاحتلال!!..
-لقد تشكلت صداقات ودارت سهرات، وحجّت وفود وتسامرت قلوب، حتى حدا بأحد الأسماء الكبيرة من النخب السوريّة، المحسوب لعقود مضت على اليسار الأحمر الداكن، أن يقول شعراً برفقة السفير الفرنسيّ في مكتبه في السفارة الفرنسيّة بدمشق، ويتغنى بدماثة ولباقة الفرنسيّ، وينال من عقود مضت، وهو يمتشق الأحمر جهلاً..
-كما كانت السفارات الغربيّة حاضرة في تفاصيل حياة وأنشطة النخب السوريّة، حتّى وصل بالبعض أن يستقوي بهذه السفارات على مؤسسات الدولة، ومستوى وعلاقته بها، وهناك لدينا مجموعة من الحوادث التي ربّما نسوقها يوماً للرأي العام السوريّ!!..
-لكنّ ذلك لا يعني أنّ جميع السوريّين الذين تواصلت معهم هذه السفارات، كانوا ساذجين أو رخيصين، وإنّما هناك مثقّفون وطنيون مناضلون حقيقيّون، لم يرضخوا لذلك، ولم يلينوا في وجه هذا الإعصار المدروس والموجّه!!..
-ولهذا أيضاً، عندما بدأت الأحداث في سوريّة، كانت هذه السفارات تعمل بماكنتها الأقوى، وطاقتها الأعلى، ابتداء ببعض السفراء، وليس انتهاء ببعض الموظفين من داخل هذه السفارات، عندما كانوا يقومون بمهمات تحريضيّة، ومهمات لوجستيّة كاملة، وبسيارات تابعة لسفاراتهم، ولم يكن الأمر محصوراً بالسفارة الأمريكيّة، فقد ساهم وشارك موظّفون آخرون، من عدّة سفارات غربيّة، بعضهم فرنسيّ، تابعون للسفارة الفرنسيّة بدمشق، بدور كبير خلال الأيام الأولى للأحدث!!..
-وإذا أردنا أن نختبر قيمة هذا الاختراق الاستخباراتيّ لهذه السفارات، في تفاصيل تشكيل وعي ومواقف النخب والمثقفين، علينا أن نستعين بهذا المعيار التالي، وهو في عمقه يقوم على سؤالٍ يقول:
كم من الأسماء السوريّة، من نخبٍٍ بكلِ مستوياتها، فنانين وكتّاب وصحفيين، لم يكونوا في مواقع رسميّة، وليسوا تابعين لمواقع رسميّة، في مؤسسات الدولة، كم من هؤلاء، كان لهم موقفٌ واضحٌ وجليٌّ، من زيارة السفير الأمريكيّ إلى مدينة حماة، في مطلع الأحداث؟!!!..
-إنّه سؤالٌ خطيرٌ، يحدّد بالضبط، حجم الاختراق والتأثير الكبير الذي فعله المال، وفعلته السفارات، ودفعت به الاستخبارات، وحضرت به مصالحنا الذاتيّة، ويحدّد هذا السؤال بعمق، ماذا فعل المال ببعض نخبنا، قبل أن يفعله بأنساقٍ واسعة من "دهماء" السّوريّين، الذي حملوا السّلاح!!..
"يتبع"..