شظايا من قصة كفاحي
2023.01.23
علي سلمان:
أرفض أن لا أتقبل من الآخرين ما قبلته لنفسي كنت شاباً في بداية العشرينات عندما سافرت الى الامارات عام 90 بهدف تأمين مستقبل أفضل لي، مثلي مثل شباب كثر هاجروا بحثاً عن فرصة ما، وكانت عمتي الحنونة والرائعة شفاها الله وعافاها أمي الثانية وكان زوج عمتي رحمه الله أباً ثانياً لي فكانا خير معين هما و أولاد عمتي جميعاً في بداية حياتي وفي غربتي والتي بفضلهم لم أشعر بها أبداً.
كانت البداية دون شك صعبة، وسأسرد قصة حدثت معي عندما يأست من ايجاد عمل مناسب لي، أذكر وقتها أن صديقاً إماراتياً لي نصحني بان أسعى لوظيفة في بنك، وذكر أمامي اسم محافظ البنك المركزي آنذاك سلطان ناصر السويدي، حفظت اسم هذا الرجل، فما حصل معي لاحقاً كان غريباً ومفاجئاً لي.
كل ما قمت به أنني أرسلت له رسالة بالبريد شرحت فيها ظروفي ودونت في نهاية الرسالة رقم تلفون بيت عمتي، أيام قليلة ونسيت تماماً هذا الأمر، و لم أعد أذكره، فما قمت به كان مجرد محاولة يائسة مني ولم أكن آمل أن يقرأ أحد حرفاً مما كتبته.
مر أسبوعان و إذ بعمتي تتصل بي وتخبرني أن مدير مكتب المحافظ المركزي اتصل بها و أخبرها بأن هناك وظيفة لي في بنك أبو ظبي التجاري في دبي وكل المطلوب مني امتحان بسيط فقط.
في الموعد المحدد وصلت الى البنك، وكان في استقبالي مدير شؤون العمال، وكان معي فتاتان مواطنات (يحملن الجنسية الامارتية) لأنه وقتذاك كان هناك قرار بأن لا يتم توظيف إلا أبناء البلد حصرا في البنوك، و كنت أنا الاستثناء الوحيد.
كان الامتحان باللغة الانكليزية، و أنا أحمل شهادة في الأدب الفرنسي وكنت وقتها لا أعرف من اللغة الانكليزية إلا كلمات قليلة، حاول الموظفون مساعدتي فأنا موصى بي من قبل المحافظ ولكن لا أمل لك يا يسوع، غاب الموظف المسوؤل لدقائق ثم عاد و أخبرني أن وظيفتي مضمونة وما عليّ سوى أن أسجّل دورة في اللغة الانكليزية لشهر واحد فقط، أتعلم فيها الأساسيات لكي أستلم عملي الجديد.
هذا ما فعلته بالضبط قبل أن يتدخل صديقي الهندي مدراس ويقنعني بأن أبقى في عملي، و لي مع مدراس هذا حكاية أغرب سأرويها لاحقاً.
ما زلت حتى هذه اللحظة ممتناً لهذا الرجل وما زلت أتابع أخباره حتى الآن، هو حالياً الأمين المساعد للشؤون التشريعية والقانونية بالأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي، أنا ممتن لهذا الرجل الذي لم ألتقه يوماً ولكنه تأثر برسالتي وساعدني ومنحني استثناء دون أن أراه أو أن يكلمه أحد عني، فقط رسالة يتيمة جعلتني أحمل له ديناً برقبتي مدى الحياة.
من حق من يريد أن يبحث عن مستقبل ما يحقق فيه أحلامه و أمانيه، أنا في كل كتاباتي وحتى في حسابي الذي تم حظره قبل شهر لم أنتقد البلد الذي عشت فيه عشر سنوات، ولكن هذا لا يعني أن أصبح بوقا ضد وطني، ولا يعني أن أنسى أصلي وفصلي، ولا يعني أن أكون رخيصاً كما يفعل البعض الآن، لم نطالب أحداً بأن يدافع عنا، جل ما طلبناه منهم أن يصمتوا، أن يحققوا مصالحهم كما يريدون ولكن لا ينظّروا علينا وبلدنا يتعرض لعدوان قذر ولإرهاب ممنهج.
من المعيب أن يتشدق أحد بآلامنا دون أن يذكر ولو بكلمة أسباب هذا الألم و أسباب هذا الفقر و أسباب هذا الموت والخراب، هذا كل ما طالبنا به هؤلاء الذين يذرفون الآن دموع التماسيح علينا.
تحية حب وامتنان للرجل الشهم سلطان ناصر السويدي، سأبقى مدى حياتي أذكره بكل حب، ولن أنسى ما شعرت به في تلك اللحظة قبل ثلاثين عاماً.
مضى وقت طويل وما زلت لا أجد تفسيراً لما قام به هذا الرجل سوى أنه كان انساناً بكل ما للكلمة من معنى، و ما زلت رغم مرور كل هذا الوقت أعيش مشاعر هذه اللحظة بكامل تفاصيلها حتى الآن.