الأسد و "الأخوان" و "الوهابية" من كان الأكثر حرصاً على الدين؟!
2022.11.05
خالد العبود
-طالما كنّا نصرّ على أنّ الرئيس الأسد، سوف يهزم "الأخوان المسلمين"، وطالما كنّا نتوقف، ومن حينٍ لآخر، عند المراحل التي كانت تمرّ بها هذه الهزيمة الكبرى..
-وعلى ما يبدو أن هذا الإصرار للرئيس الأسد، لم يتوقف عند هزيمة "الأخوان" سياسيّاً وعسكريّاً فقط، وإنّما هو يعمد ويعمل، على هزيمتهم الفكريّة أيضاً، من خلال تصدّيه لمنظومتهم الثقافيّة - السياسيّة، هذه المنظومة التي يعتبرونها أساس "خطابهم الدعويّ"!!..
-جَهِدَ "الأخوان المسلمون" طويلاً، سياسيّاً وفكريّاً، ومنذ سنوات عديدة، على تسويق قبولهم بفكرة الديمقراطيّة، باعتبارها وسيلة وصولٍ إلى السلطة، وليست وسيلة إدارة لشؤون الدولة والمجتمع، كما أنّهم حاولوا العمل سياسيّاً، وفي مواقع عديدة، على تسويق فكرة قبولهم المشاركة في السلطة، مع قوى تختلف معهم أيديولوجيّاً، وهي إشارةٌ ضمنيّةٌ منهم، على قبولهم بفصل "الدين عن الدولة"، سعياً للوصول إلى السلطة أيضاً!!..
-"الأخوان المسلمون" في سوريّة لم يكونوا بعيدين عن هذه المحاولات، عندما كانوا يقدّمون أنفسهم نظريّاً، وتحديداً في السنوات الأخيرة التي سبقت العدوان على سوريّة، من خلال الترويج لمقولاتٍ تحاكي ما روّج له "الأخوان" في أكثر من ساحة إقليميّة، بخصوص "الديمقراطيّة" و"فصل الدين عن الدولة!!..
-في مطلع العدوان على سوريّة، شكّل "الأخوان" رأس حربة العدوان، أملاً بإسقاط النظام السياسيّ فيها، وصولاً إلى السلطة، من خلال استعمالهم استعمالاً كاملاً، من قبل أطراف العدوان، لكنّ مشروع العدوان فشل في الوصول إلى أهدافه، وفشل بذلك "الأخوان" من الوصول إلى السلطة في سوريّة!!..
-فشل "الأخوان" في الوصول إلى السلطة في سوريّة، نعم هذا صحيح، لكنّهم استطاعوا أن يقدّموا النظام الوطنيّ فيها، بقيادة الرئيس الأسد، على أنّه نظامٌ طائفيٌّ، يزدري الدين، ولا يقيم له وزناً، وهو نظامٌ ضدّ المجتمعات المتديّنة، وفي قطيعةٍ مطلقةٍ معه ومعها!!..
-الرئيس الأسد فهم هدف "الأخوان" جيّداً، وعمل على أن يهزمهم فكريّاً وثقافيّاً، مثلما أطاح بهم سياسيّاً وعسكريّاً، ونازلهم في أهم اثنتين، طالما كانوا يواربون من أجلهما، وهما:
1-علاقة الدين بالدولة..
2-الإصلاح الدينيّ..
-قبل أقل من عامين فجّر الرئيس الأسد قنبلة فكريّة سياسيّة ضخمة، سيكون لها ارتدادات وتبعات واسعة جدّاً، حين أكد في محاضرة له، في "جامع العثمان الدمشقيّ"، على أنّه لا يمكن للدين أن يكون مفصولاً عن الدولة!!..
-في هذه الواحدة الزلزال، لم يهزم الرئيس الأسد "الأخوان" بالنقاط، وإنّما جاءهم بالضربة القاضية، لم يترك لهم مخرجاً أبداً، وحشرهم في زاوية المقتل تماماً، فالأمين العام لحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، يقول علانيةً، وجهاراً نهاراً، لا يمكن أن نفصل "الدين عن الدولة"، ويرى أنّ المجتمع الذي لا يجد نفسه في دولته، ولا تكون دولته مرآة له، هو مجتمعٌ مفصولٌ وبعيدٌ عن هذه الدولة!!..
-في هذه القاعدة الفكريّة العميقة جدّاً، والتي كان الكثيرون يواربون فيها، ويلفّون ويدورون حولها، خشية الاقتراب منها، يعلنها الرئيس الأسد صراحةً، ويؤكّد أنّ العقيدة أساسٌ رئيسيٌّ لحماية المجتمع، ولمواجهة أهداف "الليبراليّة الحديثة"، هذه "الليبراليّة" التي تعمل على تفكيك المجتمع، كي تلحقه بقائمة مصالحها وأطماعها، وتجعل منه خاصرة رخوة للسيطرة عليه وعلى دولته أخيراً..
-لم يكتفِ الرئيس الأسد بهذه الواحدة، لكنّه أطلّ علينا قبل أيّام، ومن صحن "الجامع الأمويّ بدمشق"، وبمناسبة مولد الرسول العربيّ محمد "ص"، كي يضيف واحدةً عميقةً أخرى، لا تقلّ في تأثيرها عن الأولى أبداً، حين أكّد على أنّ "الدّين" لا "يُصَلَح" وإنّما هو "يُصَلِح"، بمعنى أنّه يرفضُ مقولة الكثيرين حول "الإصلاح الدينيّ"، فالدين في رأي الرئيس الأسد، ثابتٌ لا يتغيّر ولا يتبدّل!!..
-بهاتين الاثنتين الهامتين جدّاً، واللتين لم تلقيا تسويقاً فكريّاً أو ثقافيّاً لهما، يغلق الرئيس الأسد على "الأخوان" باباً ثقيلاً جدّاً، فالدين لم يعد ملكاً "أخوانيّاً"، أو ملكاً "حزبيّاً"، وإنّما هو مُلك اجتماعيٌّ عامٌّ، والدولةُ مسؤولةٌ عن حمايته، وهو غير قابلٍ للاحتكار أبداً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنّ الدين الذي يتحدّث عنه الرئيس الأسد، هو ذاته الدين الذي أراد "الأخوان" احتكاره، وخصخَصَتهُ، وهو دينٌ واحدٌ غير قابل للتغيير أو الإصلاح!!..
-إنّ الرئيس الأسد قلب الطاولة كاملةً على "الأخوان"، وجرّدهم من كلّ أوراقهم التي عملوا على أن تكون حكراً لهم، وبدلاً من أن ينجحوا في تقديم الدولة التي يقودها الرئيس الأسد، على أنّها دولة ضدّ الدين، ولا تعترف به، وأنّ النظام السياسيّ الذي هو رأسه، على أنّه نظامٌ ضدّ الدين، بدلاً من ذلك، نجح الرئيس الأسد في تقديم الدولة على أنّها مرآة المجتمع الروحيّة، ولا يمكن أن يفصل الدين عن الدولة، إضافة إلى أنّ الدين لا يمكن إصلاحه، كونه هو العقيدة التي بها، ومن خلالها، يتمّ إصلاح المجتمع!!..
-بهاتين الاثنتين الرئيسيتين، يسحب الرئيس الأسد ورقة الدين من التداول، أو من الاحتكار، أو من التسييس، فالدين بهذا المعنى لا يمكن أن يكون عنواناً سياسيّاً، كما أنّه لا يمكن أن يكون عنواناً طبقيّاً، أو عنواناً فئويّاً، أو عنواناً مذهبيّاً، أو طائفيّاً، وإنّما هو عنوانٌ اجتماعيٌّ - إنسانيٌّ بامتياز، لا يمكن للمجتمع السياسيّ، أن ينقسم على أساس منه، ولا يمكن لمكونٍ من مكونات المجتمع السياسيّ، أن يعتبره ملكاً له، كما أنّه لا يمكن للدولة، أن تكون في مواجهة الدين!!..
-وفي الآن الذي يندثر به "الأخوان"، وتتخلّى أنظمتُهم عنهم، وتعمل على البراءة ممّا فعلوه باسم الدين، وتحاول "الوهابيّة" تطهير نفسها، وغسل يديها من الدماء التي سفكتها على مذبح قيامة "دولة الخلافة"، يعيد الرئيس الأسد، التأكيد على الدين، والتّمسّك به، باعتباره روح المجتمع، هذه الروح التي لا تتغيّر ولا تتبدّل، ولا يمكن استغلالها أو احتكارها، أو المتاجرة بها، أو إصلاحها، أو تسييسها، أو حكم الناس باسمها، باعتبارها قيمة إنسانيّة - اجتماعيّة، وليست قيمة اجتماعيّة - سياسيّة، وهو ما لم يدركْهُ "الأخوان"، أو تدركْهُ "الوهابيّة"!!..