كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

من طرائف السجن

نصر شمالي

 لسبب ما تذكرت طرائف السجن على فظاعته.. تذكرت الصديق العزيز الراحل عبد الكريم فرداوي، المهندس الزراعي والمناضل العربي السوري من أهالي مدينة حماة، وقد كنا معا من نزلاء سجن المزة العسكري في السبعينيات.. وبعد أن انتهت الاستجوابات الرهيبة، استقر المقام في مهجع واحد لأكثر من ثمانين سجينا، كانوا دفعة واحدة جديدة من لون سياسي واحد، من رفاق السجين الرئيس نور الدين الأتاسي..نصر شمالي و شقيقه هشام
وسرعان ماجرى تنظيم الحياة في المهجع، ومنها أن يقوم بالتناوب في كل يوم ثلاثة من السجناء بمهام الطبخ وإعداد السفرة والجلي والتنظيف وغير ذلك من شؤون المطبخ، فكنا نقوم بهذه المهمة، في دورنا، عبد الكريم فرداوي وأخي هشام شمالي وأنا..
وذات مرة كانا يعالجان الطبخة في الطنجرة الكبيرة فوق بابور الكاز ويتجادلان حول كيفية إعدادها ويختلفان على المقادير، ووقفت وراءهما مستمعا، فكان عبد الكريم يقترح طريقة أمه في الطبخ وهشام يقترح طريقة أمه، والطبخة تكاد تحترق.
 وبعد إخلاء سبيلنا كان عبد الكريم فرداوي أبو سامر يزورني في مكتبي وفي ببتي في دمشق، وكنت أزوره في حلب حيث كان يعمل ثم في حماة بعد استقراره فيها، على مدى عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وما بعدهما لسنوات قليلة، حيث أصيب بمرض عضال وتوفى بعد معاناة، وقد زرته في حماة أثناء احتضاره، وسألته عن حاله فأجابني أن آلام المرض أشد من آلام تعذيب الاستجوابات في السجن!..
عبد الكريم فرداوي كان من تلك الشخصيات الكريمة الطيبة التي تجتمع فيها براءة الطفولة وعذوبتها وهيبة الرجولة وعزيمتها.. رحمه الله.
(الصورة الأولى عبد الكريم في مكتبي في النصف الأول من التسعينيات، وقد جاء إلى دمشق ليعزي بوفاة الرئيس نور الدين الأتاسي، وفي الصورة الثالثة أخي هشام وقد جاء من حماة إلى دمشق في زيارة قبل عدة سنوات).