الانفصال الذي أحيا ذكراه الشعب السوري.. وجهة نظر شيوعي
2022.10.23
يعقوب كرّو
الانفصال الذي أحيا الشعب السوري، خلال هذه الفترة الأخيرة، ذكراه الستينية كان وسيقى في تاريخنا حدثاً غنياً بدلالاته العميقة، ومفعماً بالدروس والعبر، فقد مثل توق شعبنا ولهفته للعودة الى أحضان الوطن السوري، وبخاصة تجربته الديمقراطية المتميزة التي كان قد جرى تدميرها بوحشية لا سابق ولا مبرر لها، و بعد أن فرض على سورية حل الأحزاب، و أخضعت للأحكام العرفية، بوصفها أصبحت مجرد إقليم شمالي يخضع لما تخضع له مصر منذ (ثورة يوليو).
كنا في السجن قد بدأنا نتلمس، حتى لدى عدد من السجانين ممن كانوا شرسين، عبارات تعكس، كما قدّرنا، بعض ما بدأ يجري تداوله في مناطقهم وما يشير الى بدء تغير يزداد وضوحاً..
في هذه الفترة كلن ثمة ضابط معتقل لأسباب إدارية، كما يبدو، وكان يمضي الوقت قرب الندوة الخاصة بالعاملين في السجن. والتقى عدداً من رفاقنا أثناء الذهاب الى الحمام، فقال لهم انتظروا أخباراً جديدة هذه الأيام. و بعد يومين فتح الراديو الذي كان في حوزته على أعلى عيار¸ لنسمع النشيد الوطني السوري، وقفز الرفيق علي الكردي الشاب النشيط أبداً، ليكون أقرب ما يمكن من الشباك المرتفع وينقل لنا البلاغات المتتالية، وسرعان ما وصلنا خبر وصول المجرم عبد الحميد السراج إلى سجن المزة.
في مواجهة حركة الانفصال هذه، بل حركة الخلاص بعد ثلاث سنوات ونيّف من حكم وحشي لا يطاق، أصرّ عبد الناصر أن يودعنا بهدية منه جديدة، تبقيه في الذاكرة ولا ينسى، فكان أن أرسل كتيبة مغاوير لاحتلال اللاذقية. لكن سرعان ما تمت السيطرة عليها، ويقال أنها استسلمت، و رداً على ذلك جرى تسفير ممثله في حكم سورية (المشير) عبد الحكيم عامر وعدد من أعوانه على متن طائرة خاصة.
وانتشرت في سورية نكتة لها مغزاها بأن الأمطار التي انحبست طوال أيام الوحدة، وهذه حقيقة، سرعان ما هطلت بغزارة بمجرد عبور طائرة الحاكم الأجواء السورية.
ورغم أهمية هذين الردين وضرورتهما، فقد كان بخاصة الرد المفحم والأشد دلالة وأهمية هو الاجتماع ذو الطابع التمثيلي الواسع بل الشامل الذي
شارك فيه أكثر من ستين شخصية مدنية تمثل أوسع طيف سياسي في سورية وأعلن الجميع تأييدهم لهذا الخلاص وحيّوا من أنجزه.
وتقدم الحاضرين، الرفاق: أكرم الحوراني وصلاح البيطار ورياض المالكي ممثلين لحزب البعث، كما شاركت قيادات الحزبين التاريخيين في سورية الشعب والوطني وكذلك شخصيات مستقلة بالغة الأهمية وفي مقدمتهم سلطان باشا الأطرش وخالد العظم و الدكتور بشير العظمة وسعيد الغزي وجلال السيد و د. عبد السلام العجيلي ونصوح بابيل وغيرهم من الوزراء المركزيين الذين كانوا قد استقالوا وعادوا الى دمشق لأنه لم يكن لديهم في الواقع ما يعملونه.
ورغم أنه لم يكن في هذا الاجتماع من يمثلنا (يقصد الكاتب الشيوعيين. ملاحظة من فينكس) رسمياً، ولكن كان ثمة العديد ممن يقيّمون عالياً الموقف المبدئي المتميز والحازم الذي انفردنا باتخاذه، و أثبتت الأيام صحته والذي تجلى في تأكيدنا، الذي دفعنا ثمنه غالياً، أن ليس ثمة هيئة في حزبنا تملك حق حله، وكذلك وبخاصة في البيان المسؤول الذي أصدرناه ببنوده الثلاثة عشر و الذي لو أخذ به لكانت الوحدة التي تعتمده وتقوم على أساسه قد غدت نموذجاً يحتذى عربياً وليس كهذا الذي ينهار بهذه السرعة وغير المأسوف عليه.
كان واحداً مما أنجزته أيام الانفصال هذه، التي لم يسمح لها أن تستمر،
هو انعقاد تاريخي يجري لأول مرة في منطقتنا، على الأقل، لمحكمة خاصة أدانت أول جرائم قتل تحت التعذيب تجري لمناضلين في المنطقة وفي مقدمتهم القائد الكبير فرج الله الحلو، والذي جرى تذوبيه بالأسيد لاخفاء الجريمة والتهرب من الإدانات و المطالبة الدولية. وحوكم في هذه المحكمة عدد ممن شارك في التعذيب.
و اعترف الموظف الأمني الذي حضر فترة تعذيب الرفيق فرج الله أنه خلال التعذيب سقطت من جيب الشهيد علية حبوب للقلب، فقال إني نبهتهم أنه مريض قلب ولكنهم لم يستجيبوا لهذا التحذير وأدين خلال المحاكمة أحد المشاركين بالتعذيب والذي كلف بدفن الشهيد، ثم طلب منه بعد فترة إعادة جلب الجثمان ووضعه في البانيو وغمره بالأسيد لتذويبه بهدف اخفاء الجريمة ونفذ ما طلب منه.
و واضح أن هذه الإدانة لم تكن موجهة فقط للمجرمين الأدوات الذين مارسوا أقسى وأسفل أشكال التعذيب حتى الموت، و إنما و أولاً للذين أمروا بها وشجعوا عليها.
و لكن عبد الناصر الذي يعرف أكثر من غيره ماذا فعل، سرعان ما استبق الأحداث مستنجداً ومستنفراً قوى وفصائل عربية لمساعدته في تهريب مطيته ومنفذ أوامره السفاح المجرم عبد الحميد السراج لإبعاده عن دمشق ومحكمتها و لتفادي ما أمكن من الفضائح المجلجلة لكلا المجرمين معاً. وهكذا جيء بهذا السفاح ووضع تحت أنظار وحماية معلمه في القاهرة ولم يسمع له صوت بعد ذلك.
وقد تقدم الأستاذ الحوراني مدعوماً بشخصيات بعثية هامة بطلب باسم حزب البعث إلى رئيس الوزراء بالغاء فوري للأحكام العرفية وقد تم هذا الإلغاء.
و أود أن أشير هنا الى أمرله أهميته ودلالاته، ذلك أنني بعد أن خرجت من السجن، وكان هذا بعد ثلاثة أشهر وعدت للجامعة، أي في مطلع عام 1962 أبلغتني قيادة الحزب أن ممثلاً لحزب البعث سيتصل بي لتنظيم العلاقة والتنسيق بيننا في الجامعة. وكنت أعرف هذا الممثل شخصياً ومدى ارتباطه الوثيق بالأستاذ اكرم وتم الاتصال وتم التنسيق بيننا.
قوى مختلفة تدخلت لاحقاً لمنع التطورالايجابي لهذا الحدث الكبير الذي كان يمكن أن يعيد الوطن لمواقع التجربة الديمقراطية السابقة أو يقربه منه. وقد ثبت أن ثمة قوى داخلية لها مشاريعها المناقضة للتجربة الديمقراطية، قد سعت لعدم السماح لهذا الحدث الكبير أن يصل الى نهايته السعيدة. ويضاف لها القوى الأمنية في سورية والتي شكلت أهم (انجازات) و مرتكزات عبد الناصر في سورية إضافة إلى قوى أخرى عربية وخارجية لكل منها أهدافها وهي التي ساهم بعضها في تهريب سفاح دمشق.
وفي هذه الفترة برز نشاط ناصري تدعمه قوى أمنية كانت لا تزال تحتل مواقع هامة، وكان ذلك واضحاً بخاصة عندنا في الحسكة حيث كان بيتي مراقباً من عنصر يرافقني حيثما أتحرك حتى اضطررت مرة للخروج من البيت من باب خلفي لم يكونوا يعرفونه، وأحدث هذا مشكلة للمكلف بمراقبتي ومرافقتي لما رأوني في البلد وتابعي ليس ورائي. و بالطبع فإن حالتي لم تكن هي الوحيدة، و قد فصّلت في هذا الموضوع لأصل إلى ما أعتقده أن هذه القوى الأمنية هي القوة الأهم التي اعتمدها حكم عبد الناصر و بقي متحكماً بها و سعى لتعزيزها، و ربما كان دورها الأساسي في منع إطلاق سراحنا فوراً وكاملاً من أجل الابقاء على أكبر عدد منا إذا نجح انقلاب معاكس لم يتوقف العمل من أجل تنفيذه.
في هذه الظروف الخطيرة والدقيقة كان على الحزب، رغم وضوح موقفه، أن يدلي بدلوه في دعم الموقف الوطني السليم، فكان أن خرجت مظاهرة صامتة باسم سجناء المزة دون هتافات أو لافتات شارك فيها رفاق من سائر المحافظات، وتحركت من المرجة باتجاه القصر الجمهوري بهدف مقابلة الرئيس و إعلان موقفنا برفض إعادة الوحدة، و دعماً لمواقف الستين شخصية وطنية في تأييد الانفصال. وكان ثمة رفاق بسيرون على جانبي المظاهرة يجيبون على أسئلة المارين من المواطنين عن طبيعة هذه المسيرة وأهدافها، و لما وصلنا الى المفرق الذي يسبق القصر أوقفنا ضابطان من الشرطة مع قوة صغيرة ربما كانت من حماية القصر ولم تستجب لطلبنا إرسال وفد صغير لمقابلة الرئيس، ولما وصلت القوة المطلوبة اعتقل عدد منا، ولم نتوقف عن الهتافات حتى وصلنا إلى السجن المدني وبقينا نزلاء فيه لخمسة أيام لا غير.
إن اللجنة العسكرية التي أعلنت تبرؤها من قيادتها التاريخيىة، رداً على توقيعها بيان الانفصال، كانت قد تأسست في القاهرة قيل عامين، وكانت قد حسمت موقفها من هذه القيادة وحددت توجهها بالعمل لبناء نظام في سورية يستفيد من تجرية عبد الناصر، إن لم يقلدها، بحيث تكون اللجنة العسكرية هي الأساس والحاكم فيها، ومحمية بقانون طواريء وأحكام عرفية. و كان الهدف الأساسي لهذا الموقف الشديد من قيادتها هو اخفاء توجه هذه اللجنة المقرر للانفراد بحكم سورية لأن انكشاف هذا التوجه كان يضعها في مجابهة مع الموقف المصري الأمريكي ومع رفاقها في بغداد الذين كانوا مرتبطين بهذا الموقف وبما (أنجزه) من تدمير وحشي لثورة الشعب العراقي الباسلة التي أسقطت حلف بغداد و أقامت مكانه أول جمهورية عراقية، بل يفاخر قائد و ممثل لهم بأنهم جاؤوا على قطار أمريكي في مسعى لنشر الرعب وداعياً لسفك المزيد من الدماء إذ يصرخ في دمشق بوحشية شنو هاد ما كو دم.