كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

حديث الذكريات.. بين النبك ويبرود

معن حيدر

+بدأت ذاكرتي المبكّرة عن النبك مع الشيخ شريف الحافظ الذي كان يزور جدي باستمرار، ولا زلت أذكر كم كان أنيساً لطيف المعشر بشوش الوجه.
وإبراهيم طيفور شريك والدي في انتخابات المجلس النيابي بعد الاستقلال، ومنافسَيهما أمين النفوري وعبد الرحيم غزال.
ومحمد الكسار وياسين طربوش وفهمي وفتحي ملحم أبو عمار
+وعندما كبرتُ قليلًا استوعبتُ أنّ زَوْجيّ عَمّتيّ هما من النبك
الأولى (أم ربيع) زوجها من آل الحكيم
كانت تمتاز بالظرافة وسرعة البديهة، وأتذكر هنا إحدى نهفاتها عندما قال لها أحد أقربائنا مازحاً، ولكن على مبدأ (في المزاح تُشفى الأرواح):
والله ما بطيئك..
فردّتْ عليه على الفور: يشهد الله الألوب عند بعضها.
وقد ورث عنهما ابنهما الوحيد خفّة الظلّ وروح الفكاهة بالإضافة إلى المحبة والكرم، وقد أصرّ يوم عرسي أنْ تُقام حفلة شباب العريس في اليوم التالي في بيته، ودعا كل الموجودين.
والثانية (أم مالك) زوجها من آل الطبجي، وكانت مثال الطيبة بوجهها السمح المبتسم أبداً، وعينيها التي تنطق محبة.
وقد ورث عنهما أبناؤهما وبناتهما، وهم عشرة ما شاء الله، المحبة واللهفة والكرم.
ولا أنسى بيتهم العامر الرحب على طريق النهر، وتلك (الجَمْعات) على موائد الغذاء، وخاصة الدفين والصلص باللبن وبالحامض وبالخل، وفي المناسبات ودَقّة المهباج التي كان يتقنها زوج عمتي ويتفنن بها.
كانت تضمّنا كلّنا آل حيدر وآل الطبجي وأصهرتهم وأبناء عمومتهم.
+وأذكر خالة أمي التي كانت تزورنا وتجلب معها في كل مرة هريسة كان يصنعها ابنها ناصر فخر الدين، وكان وقتها في بداياته، وكنت أسمعها تدعو له: إن شاء الله تكمش التراب يئلب دهب
كانت هريسته طيبة وكنّا نأكلها بتلذّذ، وقد طلب والدي منها الوصفة وجرّب صنعها هو ووالدتي أكثر من مرة إلّا أنهما فشلا.
ولا زلت أذكر بحزن شديد كيف توفّتْ بعد أقل من شهر من وفاة ابنتها الشابّة وهي تلد.
+ثم أذكر آل سويدان ومالك وبحبوح وبركة (أهل عديلي) وخنشت ونصر الله فرح وريّا والبدوي والباسط والأديب وحموش...
وغيرهم كثير، ولن أتورّط أكثر في تعداد الأسماء لأنّي سأقع حتمًا في مطب النسيان.
+تقع النبك في وهدة من سلسة جبال لبنان الشرقية، شرق يبرود 8 كم على الطريق العام دمشق/ حلب، الذي كان يتفرّع منه الطريق الوحيد إلى يبرود قبل أن يفكّر العميد حسين حدّة بشقّ طريق سكة حدّة، ولكنه لم يُستخدم كثيراً
وقبل أنْ تقوم البلدية بدعم من اللواء عبد الكريم حسون بشقّ وتسوية طريق العقبة الذي اختصر المسافة إلى دمشق حوالي 15 كم.
+وكما هي الحال بين المدن والبلدات المتجاورة، مثلما بين حمص وحماه والرقة ودير الزور، كان بين النبك ويبرود حالة دائمة من الوئام كانت تقوّيها وشائج القربى والنسب بين عائلات البلدتين.
وتذكر حوادث التاريخ حصول هجرتين مؤقتتين من يبرود إلى النبك عندما قصفها الفرنسيون إثر اشتعال الثورة السورية الكبرى في مطلع العشرينيات، ومن النبك إلى يبرود في أوائل الأربعينيات عندما قصفها الفرنسيون اثر قيام مناوشات مع الثوار آنذاك.
+ولكن لا يمنع ذلك أنْ يشوب العلاقة شيء من الندّية، تتجلّى غالباً في تركيب القصص والنكات المتبادلة، مثل نكتة: تنقيز العَدِيس (باليبرودية) والعدوس (بالنبكية).
وفي هذا الصدد أذكر أنّه قامتْ في النبك في نهاية السبعينات لعبة شطرنج في قهوة المخرج في النبك، بين عمر بركات من يبرود وشخص من آل حموش من النبك، وحضرها حشد من الطرفين كان بينهم عمي عبد الحميد.
و عندما غلب عمر بركات، ارتجل عمي هذين البيتين:
يا قاهر النبك، أهل النبك في وجلٍ .. هلّا ترفّقتَ بعض الشيء يا عمرُ
أين الغضاريف من حمّوش، أين همُ .. و لِم تواروا فلا حسّ ولا خبرُ
أكملهما لاحقاً بقصيدة طويلة رائعة تتحدث في الشأن العام.
وفي سياق ذلك أيضاً يأخذ أهل النبك على اليباردة أنّ (حنكهم رخو) أي لهجتهم ناعمة.
ويتندّرون بما يسموه (العزيمة اليبرودية)، وذلك أنّه إذا ترافق يبروديان، فعندما يصل أحدهما أمام منزله يقول لرفيقه: بتحوّل نشرب كيسة متي، ولّا بدك تروح ع بيتكم؟
أما أهل يبرود فمأخذهم على النباكنة لهجتهم (أو قل لغتهم) القاسية الغريبة، وعلى سبيل المثال: أأدو طنو طلطّو، ويعني 11/ 12/ 13
ويتندّرون بقصة (الجزوور) التي تحكي عن نبكي كان يأتي إلى يبرود لِحِداء دابّته، وكان في كل مرة يقول للبيطار: المرة الجووية بدي جبلك معيي شليف جزوور.
فيقول له البيطار: لا تلبك حيلك يسلمو إيديك، فيقول له مصرّاً: منشون الولود خليهن يأرمشوا.
وفي كل زيارة تتكرر القصة دون أن يأتي الجزر، حتى ضاق صدر البيطار بذلك فحمل القدّوم وهجم على النبكي...