أثرياء الحروب
2022.09.08
إحسان عبيد:
في زمن الحروب تنفتح أبواب الاستغلال لدى بعض البشر وتتعدد وسائله، ويصبح بعضهم أثرياء من أشياء عادية (أنا لا أتحدث هنا عن الحرب الحالية القذرة في سورية وحوادث الخطف والفدية والسرقة والنهب بحماية القانون وبدون حمايته لأن اللعبة تغيرت).. بل أتحدث عن زمن الحرب العالمية الأولى والثانية.
.
في ذلك الوقت أثرى البعض من بيع بطاريات المصباح اليدوي والشمع وأحجار القداحة لندرتها، وكانت الولاعات ذات الفتيل التي وقودها زيت الكاز وأحجار القداحة ممنوعة منعا باتا وتعامل كما التهريب.. وسبب ذلك هو صدور قرارات تمنع أحجار الولاعة لصالح المتنفذين أصحاب معمل الكبريت لكي يمشي سوق معملهم.
.
ولقد استعاض المدخنون لسجائر اللف عن الولاعات باستخدام قدح الزناد الفولاذي على حجر الصوان (فالزناد يكون على شكل حرف (ب) المقلوب، بحيث تدخل فيه الأصابع، والعطبة (القطنة) التي كانت غير متوفرة لكنهم يأخذون مثلها من نباتات برية تشبه نبات الشيح وحجمها أكبر من حبة الحمص).. فالمدخن يضع العطبة على الحجر، ثم يقدح الزناد بجانبها فيحدث شررا يؤثر في العطبة، فينفخ المدخن على العطبة حتى تتوهج، وآنذاك يشعل سيجارته التي لفها مسبقا.. تسلية.
.
رجل في إحدى قرى الجبل كان يملك بيتا من الطين، وبجانبه غرفة أرضها واطية ولا نافذة لها، فعمل منها دكانا فيه بضاعة زهيدة.. كان يسري قبل الفجر، يركب حماره متجها إلى حقله ليحصد قمحه، ثم يعود لدكانه.. هذا الرجل مدخن ويستعمل القداحة لأنها أوفر من الكبريت..
.
ذات مرة قابلته الدورية الكامنة ليلا، ورأته من بعيد وقد أشعل سيجارته من القداحة، ولما أقبلت الدورية عليه أخفاها.. سألوه، فأنكر وجودها.. قاموا بتفتيشه تفتيشا دقيقا ولم يعثروا عليها.. وقد تكررت معه تلك العملية عدة مرات في الليل، وتكرر التفتيش ولم يعثروا على شيء..
.
وصلوا معه إلى حد المساومة، وأقسموا له بأغلظ الأيمان أنهم لن يعاقبوه ولن يغرموه ولن يفتشوا دكانه مقابل أن يدلهم أين يخبىء القداحة كونهم متأكدين من وجودها معه.. ولما اطمأن لكلامهم مد يده إلى أذن الحمار وانتشل القداحة من مخبئها.
.
بعدها باع حفنة أحجار القداحة التي كانت لديه، فأصبح ثريا بمعيار ذلك الزمن، وبنى بيتا يحسد عليه، بمساعدة حماره الكتوم.