كــــــلــــمة و رؤيــــــــا

الخوف قطّاع العصب

إحسان عبيد:

القصة طويلة شوي بس حلوة.
في آذار عام 1949 قام حسني الزعيم بأول إنقلاب عسكري في سوريا ضد حكومة الرئيس شكري القوتلي.. والغريب أن السياسي المحنك أكرم الحوراني باركه وأيده، وقال الحوراني للزعيم مستغلاً جنونه: هناك خطوة، لو قمت بها سيسجلها لك التاريخ لأن أحداً غيرك لا يستطيع فعلها، وهي أن تصدر مرسوماً رئاسياً بإلغاء قانون الذرية..
.
ماهو قانون الذرية؟.. كان إقطاعيو المحافظات الشمالية، وخاصة حماه، على صلة نفعية وطيدة مع الضباط والمسؤولين الأتراك، حيث منحهم الأتراك قرى بكاملها للإستثمار بحيث يصبح سكان تلك القرى شغيلة عند الإقطاعي بأجور زهيدة، وتعود الغلّة للإقطاعي الذي يعرف كيف يكرم الضباط الأتراك.. وبقي الإقطاعيون يضغطون على الضباط حتى تبقى هذه القرى لذريتهم من بعد موتهم، ووافق المسؤولون الأتراك على ذلك لدرجة أن بعض الإقطاعيين كان يملك حوالي 40 قرية.
.
راقت الفكرة للزعيم وأصدر المرسوم المخيف (إلغاء قانون الذرية)، وما هي إلّا أيام قليلة حتى قام خطباء المساجد وعلماء الدين يستنكرون ماحدث ليل نهار وأصبحت هذه الخطوة حديث الناس.. لكن رجال الدين قرروا أن يقوموا بزيارة للزعيم يعرضون عليه التراجع وإلّا فإنهم سيبرزون مخالبهم وأنيابهم.. وحددوا الموعد للزيارة في الساعة 11 صباحاً.
.
قبل الموعد بيوم اتصل الزعيم بـ إبراهيم منصور قائد الشرطة العسكرية وقال له: إتصل بي غدا الساعة 11 وخمس دقائق بالضبط على الهاتف الثلاثي، وقل لي أنا فلان.. و لا تتكلم شيئاً غير ذلك.. وأنا سأكلمك كلاماً لا تنفذ منه شيئاً و كأنه لم يكن.. هل سمعت؟.... حاضر سيدي.
.
انشغل بال ابراهيم منصور.. فذهب مساء إلى منزل نذير فنصه مدير مكتب الزعيم وعديلة بذات الوقت (متزوج أخت نوران قره زادة زوجة حسني الزعيم) وقال له: لقد قال لي الزعيم كذا وكذا.. فهل تعلم شيئاً عن الموضوع؟ أجاب نذير: كل ما أعلمه أن له لقاء مع حوالي 50 من علماء الدين وخطباء المساجد.
.
في اليوم التالي دخل رجال الدين على الزعيم.. وما أن جلسوا حتى رن جرس الهاتف.. استلمه الزعيم وقال مايلي:
.
أي أي.. معقول؟ كيف هذا بيصير رجل يسحب السكين ويهدد به.. إعدمه فوراً.. إي فوراً... لا لا بلا محاكمة بلا بطيخ.. حتى الإثنين اللذين شجعاه إعدمهما أيضاً و بلا محاكمة.. كيف يتجرؤوا على الإخلال بالأمن في عهدي؟... اسمع من الآن فصاعداً لو أن شخصأ واحداً أو ألف شخص عملوا على التحريض بالسلاح أو حتى بالكلام اعدمهم دون الرجوع لي.. مع السلامة.
.
بعد أن سمع أعضاء الوفد هذا الكلام، تبادلوا النظرات وفهموا الرسالة فيما بينهم.. سألهم الزعيم: تفضلوا شو عندكم؟ قالوا: و لا شيء نحن جئنا مهنئين ومباركين أدام الله عزك.. ثم خرجوا وكأن على رؤوسهم الطير.
.
بعد قليل دخل نذير فنصة على الزعيم فوجده لاقحاً رجليه على المكتب وكرشه يهز من الضحك مثل كيس اللبن، وعندما سأله عن سبب خروجهم السريع قال له الزعيم: لقد علمت أنهم سيصدعون رأسي، ووجدت أنه من الأحسن أن أصدع رؤوسهم وأقصف أرجلهم من الخوف، ولذلك لم يجرؤوا على فتح أي موضوع عندما علموا أن الإخلال بالأمن عقوبته الإعدام بدون محاكمة.
.
وبقي المرسوم سارياً
الخوف قطّاع العصب.